كما لا تكتمل محبة الله وتبلغ غايتها ما لم تثمر نصرةً لدينه وأوليائه، إذ النصرة علامة فارقة بين صدق المحبة وزيفها، قال تعالى: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف 157، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الأنفال 72، وقال: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْر} الأنفال 72، وقال: {وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} الأنفال 74.
وقال صلى الله عليه وسلم: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ) ، وقال: (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَه) ، وقال: (المسلم أخو المسلم لا يخونه و لا يكذبه و لا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام عرضه و ماله و دمه، التقوى هاهنا - و أشار إلى القلب -، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)
واليهود لبغضِهم جبريل، وخذلانِهم لدعوتي موسى ومحمد عليهما وعلى جميع ملائكة الرحمن وأنبيائه ورسله الصلاة والسلام، برهنوا على أنهم لا يحبون الله تعالى ولا يوالونه ولا ينصرونه، لأن من أحب الله ووالاه ونصره أحب أولياءه ونصرهم، وأبغض أعداءه وخذلهم، قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} النساء 138/ 139،وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} النساء 144، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} المائدة 51.
لقد اسْتَبْطَنَتْ هذه الآية الكريمة أعماقَ شخصية اليهودي على مدار التاريخ، وكشفت فساد عقيدة الولاء والبراء لديه، بغضا لأولياء الله وأحبابه ورسله، كما تَسْتَبْطِن على مدار التاريخ المتطاول حقيقةَ إيمان المسلمين أيضا، وتَسْبُر مدى محبتهم أولياءَ الله من الدعاة الصادقين والمجاهدين الصامدين، ومقدارَ نصرتهم للحق ودعاته وأعوانه في ساعات العسرة وهي كثيرة، ومضايق المحنة وهي مُطْبِقة، وإن كان كثيرون في عصرنا هذا لا يحبون إلا رغبة أو رهبة، ولا ينصرون إلا طمعا في دنيا يصيبونها، ولا يوالون إلا من كان من حزبهم، وسار بسيرة طائفتهم، فأشبهوا بني إسرائيل إذ زعموا محبة ميكائيل، وأعلنوا بغض جبريل، والأصل أن يحبوا وينصروا لله وحده، لا للحزب أو الفريق أو الطائفة