أو النحلة أو القوم أو المصلحة، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد: (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ) .
لقد نزلت الآيات البينات بهذه العقيدة، عقيدة الحب في الله والبغض في الله، الموالاة للحق ومعسكره، والمفاصلة مع الباطل وأضاليله، فآمن بها من اجتباه الله للخير، ولا يكفر بها ويعرض عنها أبد الدهر إلا من فسق عن أمر ربه وخلع ربقة الطاعة، ونزعت محبة الحق وأوليائه من قلبه، كما تبين بها أن الجنة خالصة للمؤمنين من الأتباع الصادقين للأنبياء والمرسلين والذين يدركون دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فيؤمنون بها، حرام على كفرة بني إسرائيل لفساد عقيدتهم واختلال ولائهم، وإحاطة خطيئتهم بهم، لذلك عقب رب العزة بقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} .
ولئن كان الفسق هو مطلق الكفر والعصيان، فإنه في هذه الآية أُرْدِف بما يشرح المخصوص منه، وهو ما ألفوه من نكث العهود ونقض المواثيق، قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، تعجيب وإنكار وتوبيخ لكثرة معاهداتهم وعدم صبرهم على الوفاء بها، ولفظ"كلما"يفيد التكرار، أي كلما أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم نقضوه، وكلما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفوا {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} الأنفال 56، والنبذ إلقاء الشيء من اليد استخفافا به وازدراء، وهو هنا استعارة لنقض العهود وعدم الوفاء بها والعمل بمقتضاها، شُبِّهَتْ خيانةُ العهد بالشيء كان ممسوكًا باليد ثم طُرِح منها، كما سُمِّيَتْ المحافظةُ على العهد تمسُّكًا به، وما رسوخ النقض والخيانة توارثا في أجيالهم المتعاقبة، إلا لانعدام الإيمان الحق في قلوب أكثرهم {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . وما آمن حق الإيمان لموسى والأنبياء من بعده عليهم السلام إلا قليل.
لقد علم الله تعالى من قلوب بني إسرائيل ضعفا وخورا، فقال لموسى وهارون عليهما السلام: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} الشعراء 16/ 17 كما علم من إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة للحق وأهله، واتباعا لتعاليمه ومراشده، ونصرة لصفه ودعاته، فقال عنهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} الفتح 29
فهل ترى يؤوب حاضر الأمة إلى سابق ما أسسته المحبة الصادقة، وبناه الاتِّباع الرشيد، وحصنته النصرة الصلبة الصادمة؟ ذلك ما لا يطيقه صغارُ الذَّرِّ والحَشَرِ، والبُغاثُ إن خلا الجو لها اسْتَنْسَرَتْ، وذاك مرتقى لا يسمو إليه إلا عتاق الطير من العقبان والصقور، وأمُّ الصقر عادة مِقْلاةٌٌ نَزورُ.