فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 523

تعتدوا في السبت، قال: فقبلوا يده ورجله فقالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا: إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود).

لقد عرف يهود البعثة النبوية الحق، ولكن ما ركب في أنفسهم من الحسد والحقد والبغضاء حال بينهم وبين الإيمان، فنبذوا توراتهم نبذ النواة، إذ صارت حجة عليهم، أخفوا منها ما لا يساير هواهم، ورفضوا دعوة القرآن وجحدوها وكذبوا صاحبها فأصبحت قلوبهم وعقولهم خاوية يتلاعب بها الهوى وتتقاذفها الشياطين.

وكما هي طبيعة الحياة التي لا تقبل الفراغ، كان البديل لديهم اتباع عقيدة السحر وأعماله، يتوسلون بها لصرف الناس عن الإسلام وصاحبه، ويحاولون بها التخلص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل تسميما وسحرا.

لقد نبذوا وراء ظهورهم العقيدة الربانية الصحيحة، فزادهم الله تعالى خذلانا بأن أحيوا بدعة شيطانية من السحر الذي هوكفر، قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ، اتبعوا ما لا ينبغي اتباعه، قراءة وتلاوة وتحديثا ورواية وعملا بما افترته شياطين الجن والإنس من السحر على عهد سليمان عليه السلام وزمن ملكه، وبلغ بهم الجهل والحقد والحرص على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم أن اتهموا سليمان نفسه بالسحر عندما نزل القرآن فعده فيمن عده من المرسلين، فقالوا: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا، فأنزل الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ... } . وفي الآية الكريمة رد عليهم صريح, شهادة من الله على نبوة سليمان وتنزهه عن السحر الذي هو كفر بنصوص شريعتي موسى ومحمد عليهما السلام، وتأكيد على كفر معلمي السحر ومتعلميه والمشتغلين به {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} .

لقد ورد في تفسير هذه الآيات الكريمة الخاصة بالسحر ومصدره وطرق تعلمه وانتشاره روايات كثيرة نسبت لصحابة وتابعين ما بين ضعيفة وموضوعة ومضطربة، يجمعها رابطان أحدهما أنها كلها غير مرفوعة للرسول صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، والثاني أن في الأخذ بها متاهة من الخرافة والتناقض ومزاعم الإسرائيليات والقصاصين. ولئن جاءت الآيات مجملة فلم تورد إلا ما ينفع الناس من العظة بها والاعتبار، وهو ما يتسق مع القرآن الكريم وكونه ليس كتاب تأريخ إلا بما يحقق الهدف العقدي والتربوي من الأحداث، فإنه لم يبق للمفسر إلا قواعد اللغة العربية، وما يؤيد مداليلها في الكتاب والسنة عن السحر والسحرة.

قال ابن فارس في معنى السحر: (السين والحاء والراء أصول متباينة، أحدها عضو من الأعضاء هو ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن، والآخر خَدْعٌ وشِبْهُه، والثاني وقت من الأوقات) . وقال الراغب في مفردات القرآن: (السحر يقال على معان: الأول: الخدْع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يد، وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع) ، وعلى ذلك قوله تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت