فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 523

وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ الأعراف 116، وقوله: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} طه 66، وقوله: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} طه 69.

والسحر المقصود في هذه الآية الكريمة من:"سَحَرَه يَسْحَرُه سَحْرًا وسِحْرًا وسَحَّرَه"ومعناه الخدع وصرف الأشياء عن حقيقتها تخييلا وتوهما، سواء في المعاملات الاجتماعية أو النفسية أوالحسية أو غيرها، قام بذلك السحرة بنوع من الذكاء الخبيث، أو بنوع من السعي بالوشاية والنميمة والتلصص والتجسس والإفساد بين الناس، أو مواطأة مع أعوان لهم، أو استعانة بخصائص معادن وأعشاب وأحجار وأجهزة إلكترونية كما هو في العصر الحديث، والأصل في كل ذلك الكذب والغش والإفك والافتراء، كما قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} الشعراء 221/ 223. وهو بذلك صورة مقلوبة ومزيفة للحقائق والأوضاع والعلاقات، كان ولا يزال مرتعا لطلاب الربح السريع وتحصيل ما ليس مباحا من المكاسب والفوائد.

ولئن كان متعذرا علينا معرفة نشأة السحر تاريخيا بدقة، فإن ما يستطيع المرء معرفته لا يخرج عن أمرين:

أحدهما أن السحر عرفته البشرية منذ زمن موغل في القدم، وفي مختلف الشعوب والأقوام، ومارسه الملوك والعامة، الخدم والمخدومون على السواء، كل على ما يهوى وما يريد.

والثاني أن بضاعة السحر تنشط وتَنْفُقُ وتروج عادة كلما عم الجهل وابتعد الناس عن الهداية، واستحكمت النزعة المادية والذاتية والاستهلاكية، وغرائزية إشباع الرغبات والنزوات، وغابت معالم الدين، وهيمن الفراغ الروحي بأمراضه النفسية اكتئابا وقنوطا وفشلا وانهزامية وإحباطا، فتساقط الناس في براثن أبالسة الإنس، مشعوذين وسحرةً ورجالَ دين مرتزقة، وحكاما مردة جبابرة. وتحولت معالم الدين كهنوتية عجماء صماء عمياء لطمس معالم العقل والرشد، وترويض الناس على الطاعة والاستسلام والخنوع والركوع للطغيان.

وتكسد وتبور كلما ظهرت النبوة، واستنارت القلوب بالعقيدة الصافية، وامتلأت الأفئدة بالإيمان، وأُنْشِطَت الألباب من عقالها، والبصائر من أغلالها وقيودها، فتحررت من أضاليل الشيطان، واستضاءت بنور الرحمن، واطَّرَحت عبوديةَ العبيد، مستظلة بحرية العبادة لرب العباد. والسحر وعقيدة التوحيد بذلك على طرفي نقيض لا يلتقيان إلا في ساحة الوغى، وميدان التنافر والتدافع والتنافي.

عرفت البشرية السحر منذ عرفت الضلال والكفر، كانت تتوسل بربها وتستعين به، فلما نسيت الله استعانت بالخرافة وتوسلت بها، منذ نوح وما قبل نوح عليه السلام، وعلى عهد إبراهيم ومن جاء بعده من الأنبياء والمرسلين، موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، كلما جاء رسول رماه السحرة بتهمة السحر، فأبطل الله دعواهم وفضح كيدهم ومكرهم، قال تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت