ومسحورا له وعاملا على نشره وساكتا عليه، يتسلل إلى أقاربهم وعائلاتهم وأسرهم فيفسدها أولا، ثم يحاسبون به في الآخرة ثانيا. وما ذلك الإضرار إلا بإذن الله تعالى، أي بسننه التي وضعها لكل تجمع بشري، قال تعالى مبينا سنته في ظهور الفساد في الأرض: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم 41، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الأنفال 53، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} الرعد 11. وقال: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الأحزاب 62.
لقد حرَّمتْ جميعُ الشرائع التي أتى بها الأنبياء والرسل عليهم السلام تَعَلُّمَ السحر وممارستَه، وعَلِم بنو إسرائيل ذلك التحريمَ كما عَلِمه غيرهم من النصارى والمسلمين، علموا أن الذين يمارسونه أو يُمارَسُ لهم كفارٌ يفقدون كل نصيب في الآخرة من رحمة الله {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ، باعوا أنفسهم للشيطان واشتروا بثمنها مكاسب من السحر زهيدةً حقيرة في الدنيا باهظةَ التكاليف في الآخرة، قال تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي ساء ما باعوا به أنفسهم لو كانت لهم عقول نيرة يعرفون بها نتائج أعمالهم وعواقبها، لأن فعل"شرى يشري"من أفعال الأضداد، ولفظ الشراء في {اشْتَرَاهُ} الأولى بمعنى ابتاعه، أي اشتروا السحر واكتسبوه، وفي الثانية {شَرَوْا بِهِ} بمعنى البيع، أي باعوا أنفسهم.
إن السحر وما يتفرع عنه من ضلالات، لم يقتصر أمر تسخيره على محاربة الإٍسلام في أول نشأته، بل أضحى في كل عصر من العصور المتلاحقة وسيلة لمحاربة الدين وأتباعه، ينشر به الباطل بديلا عن الحق، ويتقوى به الظلم على العدل، ويُرَكَّع به المستضعفون للاستبداد، وينزوي به الناس في تكايا الذل والخنوع والاستسلام.
لقد جدد السحر أساليبه وطرائقه وأدواته وأهدافه، فاستعمل الوسائط العلمية حاسوبا وشبكات عنكبوتية وقنوات فضائية وأجهزة استراق للسمع وتسجيل، واتخذ الحكام من السحرة بطانات لفك طلاسم مجتمعاتهم، والاطلاع على أحوال الناس وخفاياهم، كلما ظهرت تباشير وعي إسلامي رشيد انطلق سعار عبيد مصالحهم، يسحرون الناس سحرَ تجسس، وسحرَ وشاية ونميمة، وسحرَ تحريض ومكر، وسحرَ قبورية وخرافية وشعودة، وسحرَ تسلل إلى دعاة الحق لقلب حقائق الأشياء لديهم، وتخريب صفوفهم، وتخذيل تآزرهم وفصم عرى وحدتهم.
لقد استبدلوا الضلال بالهدى، فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واشتغلوا بخدمة الظالمين تحت غطاء خرافة زعموها علما، وارتضاع سم ثدي ظنوه لبنا، كما استبدل بنو إسرائيل الذي هو أدنى بالذي هو خير، واشتغلوا بالسحر المركب، سحر عهدي بابل وسليمان، وسحر الغيبة والنميمة والتلصص والبهتان ومكر الليل والنهار، وما دفع القدامى والمحدثين لذلك إلا ما ركب في نفوسهم من حقد على الثابتين الصامدين، وبغضاء وحسد لأولياء الله