سحرة الطبقة الحاكمة، الذين كثروا حتى ادعى بعضهم النبوة، وجعلوا السحر أداة لتسخير أبدان العامة وعقولهم ومكاسبهم، وإجبارهم على الطاعة الخانعة الذليلة وعبادة الأصنام والكواكب، فأمر الله تعالى هاروت وماروت أن يكشفا للناس حقيقة السحر وأباطيله، بتعليمهم ما يميزونه به، وكيف يحذرونه ويجتنبونه ويعودون إلى عبادة الله وحده، وهو أسلوب قرآني في التبليغ وإقامة الحجة بشارة ونذارة قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} البلد 8/ 10، وقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} الإنسان 3، وقال: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الأنعام 55، وقال حذيفة رضي الله عنه: (كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، فَقَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) ، وقال الإمام علي كرم الله وجهه مبينا ما كان يفعله الملكان: (كانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء إليه) ، أي كمن يسأل عن حقيقة الخمر فيقال له:"إنه من عنب عُصِر وتُرِك مدة حتى تخمر وصار مسكرا وهو حرام فلا تشربه".
لقد كان الملكان يقولان للناس:"هذه حقيقة السحر فلا تقربوه أو تمارسوه أو يمارس لكم فإنما هو فتنة عن دين الله وكفر" {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ، أي إن ما نبينه لكم من حقيقة السحر ومخاطره فتنة واختبار لكم، يحذران من يستمع إليهما من شيئين، الفتنةِ بالسحر والكفرِ بسببه. الفتنة بأن تستدرجهم أهواؤهم إلى استعماله رجاء الانتفاع الزائف به، والكفر بنسبة القدرة والتصرف في الكون لغير الله تعالى.
إلا أن بعض ذوي الضمائر الميتة والنفوس الخبيثة لم تكن لهم مناعة من الفتنة والكفر، فسخروا الجانب السلبي من تعليم الملكين للإضرار بالناس وإفساد المجتمع وتشتيت الأسر والتفريق بين الأزواج، قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ، وقد عبر بالفعل المضارع (يتعلمون) عن عملية التعلم، للإشارة إلى أن ذلك مستمر للحال والاستقبال، تعلما مباشرا كما كان أولا، وتعلما بالتوارث رواية وتلاوة في كتب السحر والمشعوذين من كل عصر.
ثم أردف مبينا خطورة السحر على الساحر والمسحور، والمجتمع الذي يمارس فيه، فقال: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} . ذلك أن الفساد إذا انتشر في المجتمع تضرر به الجميع، ساحرا