امتد نزول سورة البقرة عشر سنوات منذ خرج عبد الله بن جحش في سرية إلى بطن نخلة لرصد قافلة قريش في آخر يوم من شهر رجب للسنة الأولى للهجرة النبوية، وقد أشكل عليهم آخر الشهر الحرام مع الأول من شعبان، فأقدموا على القتال فيه، فعيرتهم قريش بأنهم استباحوا الشهر الحرام، ونزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} البقرة 217/ 218، وكانت آخر آية منها نزلت ببضع ليال، ثلاث أو سبع أو ثمان، قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، هي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} البقرة 281. وبذلك تكون هذه السورة قد غطت المرحلة المدنية كلها، أي ما يقارب نصف زمن البعثة النبوية، مما يجعلها شكلا ومضمونا تمثل الشخصية الإسلامية المتكاملة، التي أسندت إليها إمامة البشرية في مسيرتها الربانية الخاتمة.
إلا أن عملية تأسيس هذه الشخصية المتميزة القيادية، كانت تعترضها عوائق طبيعية من رواسب المجتمع الجاهلي الذي لم يكن قد استؤصل بعد، وعوائق مصطنعة من الأعداء الذين لا يكنون لها إلا الحقد والضغينة والحسد وتربص المقاتل وتصيد المهالك، فكانت بين الفينة والفينة تتسلل إلى المجتمع الإسلامي الناشئ عادات قولية وتصرفية مصدرها تسريب مقصود من أعدائهم اليهود أو غير مقصود بمعاشرتهم قومهم الذين لم يسلموا بعد، وكما هي سنة الله في الخلق كائنا حيا أو غيره إذ لابد لمن يغرس شجرة من أن يرعاها بالسقي والتهذيب والتشذيب والحماية من الأنواء والعواصف وتقلبات الطقس، تولى القرآن والسنة معالجة هذه الحالات، بكل تؤدة وحكمة وتلطف، وبما يحقق لأمة الرسالة شروط القوامة التي بعثت لها وكلفت بها.
أما العوائق الطبيعية فقد كانت آيات القرآن الكريم وتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والعملية، تطهر نواياهم وأفعالهم وأقوالهم وتصرفاتهم منها، أمرا ونهيا ووعظا وإرشادا وإعادة تربية وتأهيل، وقدوة حسنة تمشي على الأرض متجلية في نبيهم الكريم.
وأما العوائق المصطنعة وكان مصدر أكثرها اليهود، لما يضمرونه للدعوة ونبيها وأهلها من حقد وبغضاء، وما يبيتونه لهم من مكر وكيد، فقد كان القرآن يتولى كشفها مبينا حقيقتها ومصدرها والدوافع إليها، وأهداف أصحابها وطرق الوقاية منها، بأسلوب حكيم غايته تعميق التوعية السياسية والحركية لدى المسلمين ورفع مناعتهم لمواجهتها ومواجهة ما تتفتق عنه أذهان أعدائهم من إفك وافتراء.