لذلك بعد أن أيأس القرآن الكريم المسلمين في الآيات السابقة من إيمان اليهود، وعرض من كفرهم وجحودهم ما أفقدهم إمامة البشرية وأركسهم في النار، التفت بمنتهى الرحمة واللطف إلى الأمة الجديدة التي تسنمت صهوة المجد باختيارها خير أمة أخرجت للناس، التفت إليها مشذبا شجرتها، مطهرا ساحتها مما يتسرب إليها عن طريق خصومها، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، أي يا أيها الذين استجابوا لله تعالى بالإيمان، كفوا عن التأثر باليهود في طرائق حديثهم، فإنها محشوة باللمز والغض من المؤمنين، والتعريض بهم، وقد جعلوا أول أهدافهم النيل بخطابهم المريض من نبيكم الكريم، والتنقيص من شأنه.
لقد كان المسلمون إذا ألقى النبي إليهم شيئا من العلم قالوا له"راعنا"أي أمهلنا حتى نحفظ ما علمتنا، من المراعاة لمقصد الخير وخفض الجناح، وهو تعبير سليم لغةً وصياغة، دأب على استعماله العرب مسلمهم وكافرهم، وقد روي"أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اِعْهَدْ إلَيَّ، فقال: إذا سمعت الله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأَرْعِها سَمْعَك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه". إلا أن اليهود لِمَا يتحينونه للصف المسلم وقائده من فرص الإساءة بالتورية الخبيثة والتنقيص الخفي، لم يروا في هذا التعبير إلا تقاربا لغويا مع معنى قبيح في لغتهم العبرية، لاسيما إذا نطق بطريقة تقربه من لفظ الرعونة أو الرعي، فكانوا يأتون الرسول صلى الله عليه وسلم فيقولون:"راعنا يا محمد"ويضحكون فيما بينهم، ويقولون"كنا نسب محمدًا سرًا فأعلنوا له الآن بالشتم"، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه يعرف لغتهم ففطن لما يعنونه بقولهم"راعنا"، فقال لهم:"عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه"، فقالوا:"أولستم تقولونها؟"، فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الذين آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} ، أبقى المعنى الذي يقصده المسلمون، وصرف اللفظ الذي يستعمله اليهود، لئلا يتخذ سبيلا إلى شتم الرسول صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بالمؤمنين، نهاهم عن قول"راعنا"وأمرهم بما هو في معناها وخير منها، وهو {انْظُرْنَا} أي انتظرنا وتَأَنَّ معنا حتى نفهم عنك، وأمهلنا حتى نحفظ، من نَظَر بمعنى انتظر، تقول نظرت الرجل انظره إذا انتظرته وارتقبته، كما ورد في قوله تعالى: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُم} أي: انتظرونا نقتبس من نوركم، وحثهم على أن يحسنوا سماع ما يلقيه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يكلمهم به، بآذان واعيَة وأذهان حاضرة فقال لهم: {وَاسْمَعُوا} ، ثم هدأ من فورة غضبهم على اليهود ورغبتهم في الانتقام منهم، فذكر ما ينتظر الكافرين في الآخرة بقوله عز وجل: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، وهو أسلوب حكيم في التربية على ضبط النفس وكبح جماح الانفعال والعنفوانية، واجتناب التأثر بأخلاق اليهود في عامة الأقوال والأفعال والتصرفات، والالتزام بمقومات الشخصية المتميزة التي تبنيها فيهم عقيدتهم وتعاليم نبيهم. شخصية الصدق وتطابق النوايا بالأقوال والأفعال، لا شخصية اليهود التي يضرب بعضها بعضا تنافيا وتناقضا واضطرابا، يسمعون القول بآذانهم فتفهمه قلوبهم معكوسا وتعبر عنه ألستنهم مقلوبا وينعكس في