فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 523

أعمالهم مكرا وكيدا غدرا وخيانة {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء 46.

لقد كان اليهود لحقدهم على المسلمين وعجزهم عن المواجهة يستعملون لتنفيس غيظهم القولَ الملتوي السيء والخطاب المحرف الذي باطنه الخبث واللؤم، من ذلك ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك قال: (مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السام عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: يقول: السام عليك، قالوا يا رسول الله: ألا نقتله، قال: لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم) . وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال: لقد قلت وعليكم) .

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حرصا منه على بناء الشخصية الإسلامية المتميزة المتكاملة، ينهى المسلمين عن مبارزة اليهود بالردود الجافة أو المقذعة، ويحثهم على الرفق والتزام حسن الخطاب، وقواعد الآداب ولطيف المعاملة، وعدم مجاراة السفهاء بسفههم حتى في حال صدور الإساءة منهم مبادأة، كما في قول اليهود"راعنا"، أو دعائهم على المسلمين بالسَّام وهو الموت.

وحرصا منه تعالى على أن يكون امتثال المسلمين عن وعي بالواقع وبصيرة بخلفيات الأقوال والأعمال أسبابا ونتائج، دوافع وأهدافا، قال عز وجل: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فبين علتين، إحداهما علة عدوانية أهل الكتاب يهودا ونصارى ومشركين بجميع أصناف شركهم، وهي كراهيتهم أن ينزل الله خيرا على المسلمين، ولا خير أعظم من تحميلهم أمانة إمامة البشرية وإقامة الخلافة في الأرض، وهو فضل ورحمة يختص بهما الله تعالى من يشاء من عباده، أما ثانيتهما فعِلَّةُ الأمرِ بإجادة استماع المؤمنين لتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي ما يتلقونه منه عن ربهم إيمانا وعملا صالحا، وجزيل ما يوعدون به في الدنيا والآخرة، مع ما في ذلك من إغاظة لعدوهم بمخالفته والترفع عن سفاهاته ورعوناته وسفاسف تصرفاته.

ولما حرم سبحانه على المسلمين قول"راعنا"ونسخها من ألسنتهم وأبدلهم خيرا منها: أن يقولوا"انظرنا"، وأن يجيدوا الاستماع لنبيهم حين مخاطبته لهم تعليما وترشيدا، بين لهم جوهر حكمته في تغيير بعض الأحكام من شريعة إلى شريعة، ومن آية إلى آية ومن حكم إلى حكم. لا سيما واليهود يعيبون على النبي صلى الله عليه وسلم، تغيير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت