بعض الأحكام التي جاء بها كتغيير القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، محاولة منهم المشاغبة وإثارة الفتنة في الصف المسلم قائلين: (ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك يخالف بعضه بعضًا) ، ويَدَّعُون التمسكَ بالتوراة والمحافظة عليها بقولهم: {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} البقرة 91، ويزعمون أنها لا تنسخ بتشريع جديد من خارجها، أو كتاب آخر يأتي بعدها، محتجين بأن محمدا صلى الله عليه وسلم يؤمن بها والقرآن مصدق لها، فنفى الله تعالى عنهم حقيقة الإيمان وكشف تناقض أعمالهم ومعتقداتهم مع ما جاء في التوراة بقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة 93، ثم رد على ما زعموه من عدم جواز النسخ في الأحكام بقوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} . أي لا ينمحي أثر آية كونية بالتقادم والنسيان إلا أتى الله بآية مثلها أو خير منها للتذكير والتحذير، كانفلاق البحر لموسى عليه السلام في قوله تعالى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} الشعراء 63، أتى الله بخير منه وأشد وضوحا، وهو شق القمر للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} القمر 1/ 2، وكآية نزول التوراة على بني إسرائيل فلما نسوا أحكامه وغيروه كانت آية نزول الإنجيل، فلما تقاذفه أهله بالنسيان والتحريف كانت آية نزول القرآن الكريم خيرا مما تقدمها من آيات ومعجزات، وتكفل عز وجل بحفظها إلى قيام الساعة فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر 9، و هذه القاعدة نفسها تنطبق على المجال التشريعي، فلا ينسخ أو يلغى حكم شرعي في آية قرآنية أو سنة نبوية، إلا أتى الله تعالى ببديل مماثل ومناسب لما استجد من أحوال الناس، أو بآخر خير منه وأكثر نفعا للعباد.
والنسخ في اللغة معناه الإِبطال والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل تنسخه إذا أذهبته وأبطلته، وفي المصطلح الشرعي هو بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولاه لاستمر الحكم السابق على مشروعيته بمقتضى النص الذي تقرر به أولا، أو بيان مدة الحكم الذي كان في توهمنا وتقديرنا جواز بقائه، فتبين لنا أن ذلك الحكم مدته إلى هذه الغاية، وأنه لم يكن قط مرادا بعدها، كما قال صاحب"الفصول في الأصول"، وكما هو مفصل في كتب أصول الفقه. مثل قوله صلى الله عليه وسلم وكان قد نهى عن زيارة القبور: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب و تدمع العين و تذكر الآخرة و لا تقولوا هجرا) . فقد كان ظرف يقتضي المنع من زيارة القبور لتكريس المفاصلة مع طقوس جاهلية كانت مألوفة، وللحفاظ على صفاء الإيمان الجديد في القلوب، فلما استقر في الأفئدة التصور الإيماني السليم نسخ المنع وأبيحت الزيارة بأدبها وأحكامها. كما هو حال الطبيب يستعمل الحمية والتدرج في وصف الأدوية للمريض حسب مراحل شفائه، والنسخ بذلك لا يعدو أن يكون انتهاء أمد مصلحة مقدرة في حكم شرعي لحالة معينة، واقتضاء حكمة الله تعالى أن يبدله للناس بخير منه أو مثله مناسب للحال المستجد.