فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 523

والمراد تبيانه مجملا أن الله تعالى أكد وقوع النسخ حكمة واختيارا منه لعباده، وهو العليم بما يصلحهم ويصلح لهم، القادر فوقهم، لا معقب لحكمه، فعال لما يريد، لا يسأل عما يفعل وما سواه يسأل، ولذلك عقب على إثباته النسخ بقوله عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} .

لقد وقع النسخ للكتب السماوية فَنُسِخ التوراة بالإنجيل، ونُسِخ كلاهما بالقرآن الكريم، ووقع النسخ في شريعة اليهود فأمروا بدخول بيت المقدس ثم نسخ الأمر بالتيه أربعين سنة بعد أن خافوا وجبنوا. ونسخت بعض الأحكام الشرعية في الإسلام، غيرت بما فيه المصلحة والنفع، وما على المؤمنين حقا إلا أن يقولوا سمعنا وأطعنا {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء 65.

ثم انتقل القرآن الكريم إلى مثلبة أخرى من مثالب بني إسرائيل قد يقلدهم المسلمون فيها، فنبه إليها ونهى عن الإتيان بمثلها، بسؤال استنكاري صريح، فقال: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} .

وحرف (أم) التي استهلت به الآية، حرف عطف مختص بالاستفهام وما في معناه، يفيد في هذه الآية الإنكار على من تورط من المسلمين في مثل أسئلة اليهود، والتحذير من معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل ما عومل به موسى، مبينا أن ذلك كفر وضلال فقال: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل} . أي من اختار الكفر فقلد اليهود في معاملتهم لأنبيائهم بدلا من الإيمان الذي من مقتضاه الثقة المطلقة في الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه وطاعته، فقد خرج عن طريق الحق وانحرف عن الصراط المستقيم، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار} إبراهيم 28/ 29،

لقد نزل هذا التحذير من اتِّباع نهج اليهود في التشغيب والجدل بعد أن بدأت حملتهم التشكيكية تتسلل إلى بعض القلوب الضعيفة، فقال بعضهم للرسول صلى الله عليه وسلم:"يا محمد ائتنا بكتاب ينزَّل علينا من السماء، أو فجِّر لنا أنهارًا نتَّبعك ونصدقك"، وقال ابن عباس:"إن رجلا من المسلمين قال للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا نبغيها - ثلاثا -، ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفَّرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفِّرها كانت له خزيا في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، قال: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} النساء 110) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن) ، وقال: (من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت