كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك، فأنزل الله عز وجل: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل} "."
وقد وردت نَوَاهٍ من الكتاب والسنة عن المبالغة في سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} المائدة 101/ 102، وقال صلى الله عليه وسلم: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا أُهْلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ قَبْلَكُمْ، أَوْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِكَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، فَانْظُرُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَدَعُوهُ أَوْ ذَرُوهُ) ، وقال: (إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته) .
ولم يترك القرآن فرصة للنهي عن هذه التصرفات المتسللة إلى المجتمع الإسلامي الناشئ من غير أن يشفعها بمزيد توعية وترشيد للصف المسلم وتعريفه بخصومه العقديين الذين يتربصون به الدوائر ويعملون على تخريبه والقضاء عليه، فعقب بقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} ، وكشف بذلك النوايا الدفينة لأهل الكتاب وأهدافهم الرامية إلى أن يرتد المسلمون عن دينهم، والأسباب الداعية إلى هذه الرغبة الخبيثة، وهي معرفتهم للحق الذي آثر رب العزة به المسلمين، والحسد الذي سكن نفوسهم بذلك.
وقد روي في سبب النزول أن نفرًا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلًا، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد. قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ. وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربًا وبمحمد نبيًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا. ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: (أصبتما خيرًا وأفلحتما) ، فنزلت.
ثم لم يكتف القرآن بالترشيد العقدي والتوعية بحقيقة صراع المبادئ والقيم حتى عرج على الجانب الأخلاقي والعبادي للصف المسلم وعمل على تثبيت أركانه كيلا يعصف به تشغيب يهود والاشتغال بالرد عليهم، فقال: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} ، أمر المسلمين بمقابلة إساءة أعدائهم بالعفو والصفح، و ترقب أمر الله الذي هو الهدف الأصيل لوجودهم في الأرض، الأمة الشاهدة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وتقيم أمر الإسلام ظاهرا على الدين كله، وما ذلك على الله بعزيز {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وحيث إن للمسلمين ربا تكفل بالدفاع عنهم، وهدفا أكبر مما يحاول أعداؤهم أن يستدرجوهم إليه ويشغلوهم به، وقلوبا ينبغي ألا تتكدر بسفاسف الجدل والمراء، فإنه تعالى أمرهم أن يفوضوا الأمر إليه، وأن ينصرفوا عن المعارك