ولئن تبين للمسلمين في الآيات السابقة مقدار ما يكنه اليهود للمسلمين من حسد وبغضاء، بقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} البقرة 109، فإن القرآن الكريم هنا يبين دوافع هذا الحسد وخلفيته، وهي معرفتهم الجازمة بصواب ما جاء به الإسلام، وأهلية أتباعه لدخول الجنة، ويعرض نماذج مما أخذوا يخترعونه من أباطيل، لتشكيك المسلمين في عقيدتهم، وحرفهم عن دينهم، وتخريب صفهم، وكان مما زعموه في هذا المجال ادعاء الاستئثار بالجنة وحدهم، مما أثار حفيظة النصارى فنافسوهم وادعوا كذلك أنها خاصة بهم وسالمة لهم من دون العالمين، وهو ما حكاه القرآن في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، أي قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا اليهود وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا النصارى، إلا أن إيثار الإيجاز في التعبير القرآني، وما عرف عن الفريقين من التنافي والعداوة، وما يفهم من السياق بداهة، أدى إلى الاكتفاء بجملة واحدة عند الإخبار بمزاعم الفريقين، كما قال تعالى في آية أخرى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} البقرة 135، أي قالت اليهود كونوا هودا تهتدوا، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا، وقد جمع القرآن قولي الطائفتين فيما صدر عن كل منهما من نفي دخول الجنة على الآخر، ثم قسم القولين بحرف العطف"أو"لِيُرْجع السامعُ كلَّ قول إلى قائله، مبتدئا بما زعمه اليهود في الاستئثار بالجنة، لأنهم رأس الحربة في الحملة على المسلمين والأسبق إليها، ولأن هذا السلوك نزعة فيهم راسخة على مدار تاريخهم في التمرد والاستعلاء، كثيرا ما تستفز الطائفية وتثير ردود فعلها، فتندلع الحروب والفتن بين الملل، وتنغلق العقول والقلوب عن رؤية الحق اعتزازا بالباطل، معاندة وضرارا، وهو ما تسرب للنصارى فأعلنوا مكايدة لليهود والمسلمين معا، أن الجنة خاصة بهم، وهو أيضا ما تسرب إلى المسلمين في عصور التخلف والجهل والانحطاط، بعد تفرقهم مللا ونحلا ومذاهب وشيعا، فأخذ كل فريق منهم يمهد الأمل لنفسه، ويظن النجاة خاصة به، يكفر من يشاء ويؤسلم من يريد، ويوزع مفاتيح الجنة حسب هواه.
ولهؤلاء جميعا على مدار وجود الإنسان في الأرض قال رب العزة سبحانه وتعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي تلك أوهامهم وتخيلاتهم وتشهياتهم غير المؤسسة على حق أو حقيقة، وقد عبر بصيغة الجمع (أماني) ، لأن الآية جواب على ثلاث أمنيات كاذبة لأهل الكتاب، أولاها أمنية أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم كما قال تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم} البقرة 105، وثانيتها أمنية أن يرتد المسلمون عن دينهم {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ} البقرة 109، وثالثتها أمنيتهم في هذه الآية الكريمة، وهي ألا يدخل غيرهم الجنة، فَسَفَّهَ القرآن الكريم أمانيَّهم كلَّها بقوله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} .