فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 523

ثم عقب تعالى على ذلك بأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستفز عقولهم الراكدة ويستثير معرفتهم بكتبهم التي بين أيديهم، فقال: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، وهو طلب تعجيزي لهم، إذ ما دامت الجنة وأمر دخولها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به، لا يُعْلَم إلا بالوحي إلى الأنبياء والرسل، واستئثار اليهود أو النصارى بالجنة لم يرد في توراة أو إنجيل، فمن أين لهم البرهان على ما زعموا، وما هم في ذلك إلا كَذَبَة على الله تعالى، يقولون ما لا يعلمون. وفي الآية أيضا إشارة واضحة إلى أن قضايا الدين غيبا وشهودا لا يحتج فيها بالهوى والمزاعم، وكل قول فيها لا دليل عليه باطل، والدليل الشرعي خبر صحيح عن الله تعالى.

ثم بَيَّنَ رب العزة من يدخل الجنة، ومقياسَ دخولها، وهو طبعا مقياس غير طائفي أو فئوي، بل عقدي عادل يسع الناس جميعا، فقال: {بَلَََى} أي ليس الأمر كما تزعمون، بل يدخلها غيركم من الذين استجمعوا شروط دخولها وهم: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

أول شروط دخول الجنة إسلام الوجه لله تعالى، وقد عبر بالجزء عن الكل، بالوجه عن الروح والقلب والجسد، أي الطاعة الكاملة والاستسلام التام لدين الله تعالى وتعاليمه، كما عبر عن العقيدة المنجية بقوله {أَسْلَمَ} ، إشارةً إلى دين أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الحنيفية التي جددها الوحي على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتلميحًا إلى الاستجابة الطوعية المسارعة من إبراهيم لأمر ربه عز وجل {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} البقرة 130/ 132، وهو رد غير مباشر على مزاعم اليهود والنصارى وتعريض بشركهم المانع لهم من دخول الجنة، كما قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} آل عمران 67.

والشرط الثاني لدخول الجنة أن يكون الإسلام على درجة مقبولة من الإحسان، يجمع بين يقين القلب وعمل الجوارح، وصدق التوجه، ولئن كان الإسلام الظاهر للملأ هو قيام الجوارح بوظائف الأحكام، والإيمان بين الجوانح أن يؤمن المرء بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فإن الإحسان أن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يرى الله فإن الله يراه، وهو ما فصله حديث جبريل عليه السلام إذ جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة، والإمام مسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه.

هذان الشرطان مفتاح دخول الجنة، لليهود جميعا قبل أن ينسخ دينهم على يد عيسى عليه السلام، وللنصارى كلهم قبل أن ينسخ دينهم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم. والمقياس بذلك ليس فئويا أو طائفيا، وإنما هو فردي خاص بكل امرئ على حدة {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} الطور 21، جوهره ما وقر في القلب وعبر عنه اللسان وصدقه العمل، ومن كان كذلك {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} لن يضيع أجر عمله عند الله تعالى يوم القيامة، وله الجنة لا خوف فيها ولا حزن، وإنما سرور وسعادة دائمة ما دامت السموات والأرض: إِنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت