الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ الأنبياء 101/ 103، {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} هود 108.
ولما أبطل عز وجل في هذه الآية الكريمة دعوى اختصاصهم بالجنة وأثبتها للمحسنين، عطف عليها بآية أخرى لزيادة بيان طبيعة أهل الكتاب المنحرفة، في تنابزهم بالباطل واعتزازهم بالضلال، وغفلتهم عما جاء في كتبهم، فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} ، وكشف للمسلمين بذلك مدى تباغضهم وتعاديهم وتعاندهم وتناقض مزاعمهم، وقد ذكر ابن إسحاق سبب نزول الآية روايةً عن ابن عباس قال:"لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حُرَيْملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك من قولهما {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} ".
لقد كان لليهود كتاب يقرؤونه هو التوراة، وللنصارى كتاب يقرؤونه هو الإِنجيل، وحق الذين حُمِّلوهما ألا يكفِّرا بعضهما، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني، وكذلك جميع ما أنزل الله تعالى على الأنبياء من كتب، كلها متواردة على تصديق بعضها البعض.
وهذا القول من يهود زمن البعثة النبوية ونصاراه، وإن جاء على سبيل الذم لهم، فإنه يقتضي أنهم صادقون في تسفيه بعضهم، على رغم ما بين أيديهم من التوراة والإنجيل، لأن اليهود كانوا على شيء ثم بدلوا وغيروا وكفروا، والنصارى كانوا أيضا على شيء ثم ابتدعوا وحرفوا وأشركوا، وما تجاحدهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مجرد عناد ومكابرة وكفر ومقابلة للمزاعم الفاسدة ببعضها.
وزيادة في التشنيع علي الطائفتين والسخرية بجهلهما لما في كتابيهما وتجاهلهما لما في شريعتيهما، شبههما بالمشركين الذين لا كتاب لهم ولا علم، فقال: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} ، أي إذا كان هذا قول قوم هم أهل كتاب فلا عجب إذا طابقت أقوال المشركين الجهلة أقوالهم، وشابه تعاندُهم تعاندَهم. فهم وعبدة الأوثان من قريش سواسية في الإعراض عن الإسلام، والاعتزاز بالكفر والشرك، والتلهي عن المصير المحتوم بالتمني الكاذب والأمل الزائف، لذلك ذكرهم رب العزة تهديدا ووعيدا، بميعادهم يوم الحساب العسير والحكم العادل، فقال: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} ، يوم يعرضون على الله تعالى يهودا ونصارى وعباد أصنام، فيفصل فيما كانوا يعتنقونه من مزاعم وأباطيل مختلفة متخالفة، ويوفي كلا منهم جزاء كفره وجحوده وعناده. وهذا