منه تعالى صرف غير مباشر للمسلمين عن الدخول في متاهة الجدل حول باطل أقوالهم وتفاهة أحكامهم ومعارفهم، لأن لهم يوما يعرفون ما فيه وما وراءه، قال تعالى: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} سبأ 25/ 26، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الحج 17.
وبعد أن عرض القرآن تشكيك أهل الكتاب في ثوابت عقيدة المسلمين وما وعدوا به من الجنة، انتقل إلى تحالف مشركي قريش معهم في حملتهم على ثوابت العبادة، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} ، ولئن كانت هذه الآية الكريمة عامة في جميع من يسعى لخراب المساجد ومنع الناس من العبادة فيها، فإنها حسب السياق الذي وردت فيه تعني أيضا مشركي قريش إذ عملوا على خراب المسجد الحرام، وسعوا في إفراغه من العابدين والذاكرين والركع السجود، وتركوه مرتعا للأصنام وعراة المشركين الطائفين حوله، ولا خراب له أشد من ذلك، ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فيه عند الكعبة، وحالوا يوم الحديبية بينه وبين أن يدخل مكة لأداء العمرة، حتى نحر هديه بذي طُوَى وهادنهم، وقال لهم: ما كان أحد يَصُد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده، فقالوا: لا يدخل علينا مَنْ قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
ثم أخذ القرآن الكريم كعادته في التدرج عند إصدار الأحكام الشرعية، يمهد لتحريم دخول الكفار بيت الله الحرام، ومكة كلها حرم، فقال معقبا على ظلم قريش إذ استعمروه بالأصنام والأوثان وحرموا المسلمين منه بالتهجير إلى المدينة، ومنعوهم من أداء العمرة: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وجمع للمشركين بين خزي الدنيا ذلا وهوانا، وعذاب الآخرة في جهنم خذلانا وخسرانا، وهي بشارة ضمنية منه عز وجل للمسلمين بأنهم سيفتحون مكة فتكون لهم القوامة على المسجد الحرام وعلى كافة المساجد غيره، وأمْرٌ لهم إذا ما كان ذلك بأن يمنعوا المشركين دخوله إلا دخول الذل والصغار والخوف، وقد تحقق ذلك بفضل الله تعالى عندما دخل المسلمون مكة فاتحين في شهر رمضان سنة ثمان للهجرة، فانخلغت قلوب المشركين فَرَقًا ورعبا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنٌ) ، فهُرِعوا إلى بيت الله خائفين مذعورين يطلبون الأمن والأمان، ثم نودي في العام القابل سنة تسع للهجرة برحاب منى: (ألا لا يَحُجَّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته) ، عملا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} التوبة 28. وبذلك تأكدت عمليا للمسجد حرمته على مدار التاريخ، ثم زاد الله من فضله على المسلمين فجعل لهم الأرض مسجدا وطهورا، إذا افتقدوا الماء تطهروا تيمما بالتراب، وإذا لم يكن مسجد صلوا أينما كانوا، قال صلى الله عليه وسلم: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ