بالإسلام وتذهب في الكفر مذاهب شتى، وهذا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لنا فيما رواه عبد الله بن مسعود قال: (خط رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطًا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأنعام 153) .
وعن ابن مسعود أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (ضرب اللَّهُ مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنَبَتَي الصِّراط سوران، فيهما أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ مُرخاةٌ، وعند رأس الصِّراط داعٍ يقول: استَقيموا على الصراطِ ولا تَعْوَجُّوا، وفوق ذلك داعٍ يدعو، كلما همَّ عبدٌ أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحْه، فإنك إنْ تفتحْهُ تَلِجْهُ، ثمَّ فسره فأخبر: أنَّ الصِّراط هو الإسلام، وأنَّ الأبواب المفتَّحةَ محارمُ الله، وأنَّ الستور المُرْخاةَ حدود الله، وأن الداعي على رأس الصِراط هو القرآن، وأن الداعي من فوقه واعظُ الله في قلبِ كلّ مؤمن)
كما روى أبان أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلّم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادُّ، وعن يساره جوادُّ، وثمَ ّرجال يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به إلى النار, ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}
إن الفهم الرباني الذي يبين لنا الصراطَ المستقيم فنتبعه ونسير فيه بخطوات ثابتة، ويكشف لنا معالمَ سُبُلِ الشيطان اليمينية والشمالية، سبلِ المغضوب عليهم لمعرفتهم الحق والتنكر له، يهودا أو منافقين أو من فسقة علماء المسلمين، وطرق غواية كفرة الجاهلين الراكنين إلى ضلالهم المطمئنين به، من سائر الأديان والملل والنحل، فنجتنبها ونحذِّر منها ... هذا الفهم الرباني هو الذي يمنحنا الجراءة الإيمانية على اقتحام العقبة الحرجة, للانطلاق الرشيد نحو هدفنا الأسمى الذي هو مرضاة ربنا عز وجل، وهدفِنا الأدنى الذي هو تحكيم كلمة التوحيد وتمكين الأمة المسلمة من حق التسلط على أمرها الجامع تقريرا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة, كي يكون الدين لله وكلمة الإسلام هي العليا، كما نص على ذلك الكتاب والسنة.
ولئن كان دربنا هذا طويلا وعسيرا, ولا يُشَق إلا بالتضحية والصبر والثبات والوفاء لله وللرسول وإِخْوةِ الإيمان ورُفْقةِ الطريق، فإن قاعدةَ الارتكاز الصُّلبةَ التي هي الفهم الرباني الأصيل خيرُ أداة تقَوِّي زخْم الاندفاع نحو الغاية، وتسدد الرماية نحو الهدف، وتعصم من وهْن الانطلاق وتيه التوجه وغبَش الرؤية وضلال السعي. ولذلك قرن الله تعالى بين الدعوة إلى الله، وبين البصيرة التي هي الفهمُ الرباني، المستنيرُ باليقين المسترشدُ بالبرهان الشرعي والعقلي، في قوله