تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف 108.
إن منطلق التصرف السليم لدى المرء أساسُه العقل السليم، المستنيرُ بالفهم الرباني، أما التصرف السقيم المؤدي إلى الضلالة والانحراف عن الصراط المستقيم فهو دائما منطلق من إحدى ثلاث آفات:
أولاها البلادة وسوء الفهم وغلبة المزاجية والتعصب، لذلك سريعا ما يسقط بسطاء الأحلام في شراك المتشيطنة وأبالسة الجن والإنس, ممن يزينون المنكر ويشوهون المعروف، ويطلقون ألسنتهم بما لا خَبَرَ في قلوبهم منه، ولا لهم بذلك تحقيق, تلبيسًا وتدليسا على مستضعفي العقول، ليحسبوه من الحق وما هو من الحق، كما قال تعالى في أمثالهم: {لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ} آل عمران 78.
وثانيتها القصد السيئ، ونعني به غلبةَ الهوى على النفس وإيثارَها الجاه والمال واللذة والرتب الدنيوية الرفيعة والاستعلاء والاستكبار على الخلق؛ وأصحابُ القصد السيئ هؤلاء هم طائفة المتشيطنة والمتأبلسة الذين يسخرون كل شيء لمصالحهم الدنيئة، من أجل مكسب أو قرب أو رفعة لدى صاحب ثروة أو جاه أو سلطة.
إن أهم صفات ذوي القصد السيئ القسوة الناشئة عن انعدام الحياء من الله ومن الناس ومن النفس، ومن آثار القسوة تحريفُ الكلِم عن مواضعه، و تركُ ما أمر به الله علمًا وعملًا، والتخلي عن كل القيم والمبادئ في سبيل مصلحة عاجلة يندثر نفعها وترافقه إلى الآخرة المحاسبة عليها.
وثالثتها الجبنُ الناشئ عن ضعف الإيمان وقلةِ الثقة بالله، ولذلك يسقط الجبان في الخيانة مهما كابر وادعى وتَسَتَّرَ على ضعفه وفساد طويته، وركن إلى التلبيس والتدليس والإنكار والجحود، الجبان يسقط في أول الطريق لدى أول اختبار، فينكشف عواره وتفتضح وتهتك أسراره، إن الجبان يفر من أبيه وأمه وزوجه وولده، ويفتدي نفسه بملابسه التي تستر عورته, فكيف يُرْكَن إليه أو يُعْتَمَد عليه أو يُوثَق به، إن الجبان مشروعُ خيانةٍ مرتقبةٍ دائما, إن لم يخنك اليوم بإرادته خانك غدا طلبا لسلامته، وإن الشجاع يحمي عرضه وعرض من لا يعرفه من الخلق، لأن ما ركب في جبلته من إباء وشهامة ونصرة يأبى عليه أن يُسْلم ضعيفا أو يخذُل مستضعفا أو يتخلى عن ذي ضائقة.
أما العقلاء اليقظون ممن هُدوا إلى المحجة البيضاء ليلها كنهارها إشراقا ونورا، إلى صراط الرب مستقيما، صراط العزيز الحميد سويا، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، فقد سلكوه ثابتين غير مترددين ولا متلجلجين، ولزموا باب مولاهم متعلقين بفضله وكرمه وجوده، لا تصدُّهم عنه وحشةُ غربةِ الأيتام في مآدب اللئام، ولا يغلبهم عنه ما يرومُه من الدنيا عبيدُها، إنهم القوم حقا، ورفقاء الطريق السوي صدقا، قال رسول الله صلى الله