فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 523

هذا التصوّر الشامل عندما يختل، يختل تبعا لذلك الدين كلّه، عقيدة وعبادة وشريعة وعلاقات اجتماعية. فينشأ بين البشر من يزعم لنفسه أو لغيره من المخلوقات، بشرا أو جنّا أو ملائكة أو حجرا أو شجرا، صفات مميزة وقدرات خاصة لتلقي الإلهام أو الغيب أو الحكمة أو النور.

وبذلك تفتح أبواب للضلال بالزيادة أو النقص، أو بإنشاء التكاليف أو إلغائها، أو بعبادة الملائكة أو الجنّ أو الأنبياء والرسل والصالحين.

هذا التصور الإيماني الصافي السليم هو الذي يحفظ للأمة وحدتها وتميزها وإمامتها في الدنيا، وهو أس الولاء الحق الذي ينبغي أن يحل في قلب المؤمن ويظهر في سلوكه، لأن لِمُيُوعة الولاء وهشاشته أثرا بَيِّنًا لدى صاحبه، يميل به مع الرياح حيث تميل، وتختل لديه بمخالطة المنحرفين المقاييس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} آل عمران 118، وهو ما تجلى في تصرفات المشركين إذ جمعتهم العداوة للمسلمين مع اليهود فتأثروا بمعتقداتهم الضالة وأخذوا يرددون للرسول صلى الله عليه وسلم مطالب اليهود لموسى عليه السلام فقالوا: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، وما هذه المقولة من المشركين إلا بتلقين من اليهود وتأثر بهم، وعناد وعتو وكفر أشربته قلوبهم، قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} النساء 153، وقال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه} الإسراء 90/ 93.

لقد شابَهَتْ قلوبُ المشركين في عنادهم وكفرهم وجحودهم قلوبَ اليهود والنصارى قَبْلَهم {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} ، وبيان الله لهم فيما قالوه هو بيانه لمن سبقهم، فمن أيقن وصدق فقد فاز، ومن ختم الله على قلبه بالضلالة فقد شقي وخسر {قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت