فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 523

وثانيهما طريقة الخلق فقال: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، أي إذا أراد سبحانه وتعالى حدوث أمر حدث فورا، والتعبير عن أمره بالحدوث بكلمتي {كُنْ فَيَكُونُ} كناية عن سرعة الاقتدار، وليست إرادته تعالى محتاجة إليهما إن أراد قضاءَ أمرٍ أو إحداثَ جديدٍ، قال تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} القمر 50.

بذلك يتم الرد الإلهي قرآنيا على ما تحاول طوائف الشرك تسريبه إلى معتقدات المسلمين، من فساد تصور، وضلال عقيدة، وهو أيضا ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على مواجهته وتحذير صحابته منه، وقد قال له عمر يوما:"إنّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي) ] [1] [

لقد كانت هذه التوضيحات القرآنية والتحذيرات النبوية للحفاظ على استمرارية صفاء الإسلام ونقائه وسلامته من الشرك في المعتقد والممارسة والتطبيق. ذلك أن أيّ خلل يصيب التصوّر الاعتقادي لطبيعة العلاقة بين الله وخلقه، ينشأ عنه خلل في العبادة واضطراب في السلوك، وتصدع في العلاقات بين الناس فيما بينهم، وبين الناس وبين غيرهم من المخلوقات التي تعيش معهم في هذا الكون الفسيح. فالله سبحانه وتعالى هو خالق كلّ شيء، وملكه وربّه ورازقه ونافعه وضاره ومحييه ومميته، وهو معهم أينما كانوا بغير حلول أو انتقال أو تجسيد أو تشبيه، يسمع دعاءهم ويجيب مضطرهم ويعلم سرّهم ونجواهم، بدون واسطة من جنّ أو إنس أو ملائكة أو غيرهم؛ والإنسان مخلوق من جملة مخلوقات الله، عبد من عبيده طوعا أو كرها، مقهور تحت قاهريّته المطلقة، مربوب تحت ربوبيته الشاملة، بقيوميته الكاملة.

والصلة بين الله والإنسان رسولا كان أو نبيا أو شخصا عاديا، صلة عبودية خالصة {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56، على سبيل الحصر والتأكيد. والاتّصال بين الله والإنسان في الدنيا لا يكون إلاّ وحيا أو من وراء حجاب {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} الشورى 51.

الإنسان في التصوّر الإسلامي شيء مثل جميع المخلوقات الأخرى. والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع العليم.

(1) - متهوكون أي متحيرون في دينكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت