فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 523

يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) سورة البقرة

اتخذ القرآن الكريم من بني إسرائيل نموذجا صارخا لتعثر البشرية في مسيرتها الإيمانية واضطراب علاقتها بربها وبالكون من حولها، ما بين مبعث إبراهيم عليه السلام وإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عرفت خلالها لمحات إيمانية ناصعة، وانتكاسات عقدية فظيعة.

كان مبدأ الأمر مع إبراهيم وبنيه هداية نيرة، وربانية صادقة، منذ استضاء قلبه بنور الحق فصاح في قومه ثائرا على ضلالهم، حريصا على هدايتهم وإنقاذهم: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الأنعام 78/ 79، وكان بذلك القدوة في التمسك بالحق ونشره والتحرك به والصبر على الأذى في سبيله {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} الممتحنة 4، واستمرت مسيرة الحق بعده في ولديه اسماعيل واسحاق، وأوصى به حفيدُه يعقوبُ بنيه إذ حضره الموت {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة 133.

ثم عرفت مسيرة الحق هذه بعد ذلك عثرات غابت بها معالمه وتبلبلت بها مفاهيمه، إلى أن بعث موسى عليه السلام لتجديده وإعادة بلورته، فكانت معاناته ومعاناة الأنبياء بعده مع بني إسرائيل وعنادهم وتعنتهم وعتوهم وتداولهم على تكذيب رسل الله وقتلهم ومطاردتهم، مما بينته بتفصيل سورة البقرة فيما سبق مما شرح آنفا.

وكان لابد وقد ضلت البشرية وبلغت حضيض الانحراف، من حركة إبراهيمية جديدة، تعيد للحق صفاءه وقوته وحاكميته، تجلت في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم، يجلو به عن الدين ما عراه من صدأ قوم مشركين ابتداء، وآخرين من يهود ونصارى بدلوا وغيروا فسقطوا في الشرك انتهاء.

لذلك بعد أن بين الله تعالى فيما سبق من سورة البقرة ضلال القوم وتكذيبهم، وأصدر حكمه الصارم العادل فيهم لعنة وخلودا في النار، التفت إلى نبيه صلى الله عليه وسلم يصرفه والمؤمنين معه، عن مزيد الانشغال بمكر خصوم الدين أو الاهتمام بكيدهم وانحرافهم إلا بقدر ما يحفظ للصف المؤمن وحدته وصفاء معتقده، وما عليه من الحق، فقال له: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت