فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 523

والإرسال بالحق أو إليه معناه التحرك به وإليه، حاملا له وقاصدا له، وما دام المرسِل هو رب العالمين، فما على الرسول إلا الامتثال المطلق والفطانة والفهم في التلقي، والصدق والأمانة في الأداء، وهو ما طبع حياته صلى الله عليه وسلم منذ خوطب بقوله تعالى: {اِقْرَأْ} وأُمِرَ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} 1/ 2، فلم ينم من الليل إلا قليلا، ولم يأكل من الطعام إلا شعيرا، ولم يكسب من المال درهما أو قطميرا، وكان بذلك نعم المجدد للحنيفية السمحة، الوارث للحق، والقدوة الحسنة في نصرته والتحرك به والجهاد في سبيله. ولئن اهتدى إلى الحق على يده ثلة تمسكت به ونصرته ونشرته في مشارق الأرض ومغاربها، فإن نوره مازال يسطع في الربوع لا يخبو، وسراجه يتلألأ في سماء البشرية لا ينطفئ، قال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِك) ، وقال مشتاقا إلى من يحمل الحق ممن يأتون بعده من هذه الطائفة المنصورة: (وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي) .

إن الحق الذي أرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الدين الصحيح الكامل عقيدة صافية وتصورا إيمانيا واضحا، وأحكاما شرعية رشيدة، ونظام حياة للفرد والمجتمع والدولة، وهو الإٍسلام، مفتاح سعادة الدنيا والآخرة، لا يقبل من أحد غيره، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} آل عمران 19، وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران 85.

والحق بذلك حقيقة يقينية تستقر أولا في القلب تصورا إيمانيا لله تعالى، وتصورا للإنسان سببَ وجودٍ وغايةَ خلقٍ، ولعلاقته بربه وبالكون من حوله، ولما هو صائر إليه ومقبل عليه. ثم تتجلى ثانيا هذه الحقيقة في حياة المرء عبادة وطاعة ومحبة وولاء لله وللرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

هذه الحقيقة اليقينية التي تسري في الروح والعقل والجسد، تعيد صياغة المرء، فيثور على نفسه وعاداته وما ألف في عهد التسيب والقلق والاضطراب والبلبلة وعبادة الهوى، ويرسل نفسه اقتداء بنبيه إلى تحرير غيره من أوهام الجهل وأغلال الضلال، وكأنما لم يُبَلَّغْه إلا لحظته قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} المدثر 1/ 2.

وما تأثير هذه الحقيقة اليقينية في الإنسان إلا لأنها ربانية، من الرب الخالق، الذي يعرف ما خلق وما يصلح لمن خلق، أرسلت إلى البشرية مع الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، لم يزد فيها ولم ينقص، بلغها كما ألقيت عليه، نزل بها على قلبه الروح الأمين جبريل عليه السلام، قال تعالى:

- {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} الشعراء 192/ 194.

- {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه} المائدة 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت