فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 523

- {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} الحاقة 40/ 46.

من هذه الحقيقة اليقينية تنبثق الأفكار والنظم والتصرفات والعلاقات، بها يُهتدَى من الضلال، ويُتَخَلَّص من الفتن، وعلى أساسها تتغير النفوس والمجتمعات وتتهذب الأهواء والنزعات، إنها تُغَيِّر ولا تتغير، تُبدِّل ولا تتبدل، لأنها من خالق الكون ومدبره، العليم بأسراره ودينامية تغييره وسنن تطويره.

هذه الحقيقة اليقينية كانت تلقى في قلوب الرسل والأنبياء فينطلقون في الآفاق منافحين عن الحق ناشرين دعوته، وهي على مر الأجيال، لها رجالها المقتدون بالأنبياء والرسل، من عباد الله الذين استناروا بهدي القرآن، فانطلقوا بدورهم، لا يثنيهم سخط الساخطين ولا بغضاء المبغضين، ولا مكر الماكرين، ولا التهديد بالسجن أو الوقوع فيه، أو التلويح بالقتل أو التنفيذ له، ولا التهجير عن الوطن والتغريب في غيره. إنهم الرجالُ لا كأشباه الرجال، والقممُ لا الوهاد والقيعان.

إن وظيفتهم هي وظيفة الأنبياء والرسل، يبشرون بهذه الحقيقة اليقينية، حقيقة التوحيد إيمانا في القلب والجنان، وإعلانا متحديا للكفر وأهله باللسان، وعملا سديدا بالأركان، وإقامة للأمة الشاهدة على الناس في الدنيا والآخرة، إذ الخطاب لنبيهم صلى الله عليه وسلم خطاب لهم، وأمره أمر لهم من خلاله {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} ، والبشارة عادة في مصطلح أهل الإيمان والإحسان نبأ سار بقبول رب العزة الأعمال والورود في الآخرة على خير مآل، ومن وجهت إليه النذارة فهو على خطر عظيم، متأرجح بين ضرورة الأوبة إلى ربه، أو الارتكاس في ذنبه. وفي كل الأحوال إذا ما قام المؤمن بواجب التبليغ بشارة ونذارة فقد برئت ذمته، لا يسأل عمن أعرض وضل، لأن أحدًا لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه من سواه، قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام 164، وقال: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} آل عمران 20، وقال: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فاطر 8.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان قبل غيرهم لما في كتبهم من بقية حق مخلوط بباطل أضافوه إليها، ولذلك ضاق صدره وكبر عليه تعنتهم وإعراضهم، فقطع الله تعالى رجاءه في إسلامهم، وأيأسه من إيمانهم، إذ علق رضاهم عنه بما هو مستحيل في حقه، وبين له أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنه إلا إذا اتبع ملتهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ، لذلك عليه أن يتابع مسيرة دعوته ويعملَ لما بُعث من أجله، ويُجابِهَ ملل الكفر كلها بالحقيقة الإيمانية التي هي الهدى من الله تعالى، وهي الدين الصحيح، والتصور الإيماني الواضح الوضاء {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} ، وما مداراة الكفار ومداهنتهم رجاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت