فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 523

استمالتهم إلا إضاعة للوقت والجهد، تشاغب على صفاء الإيمان ووضاءة العقيدة {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} القلم 8/ 9، والخطاب في هذه الآية موجه للأمة من خلال نبيها {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} أو اتبعه أحد من أمتك فرضا وتقديرا {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} حقيقةً يقينيةً ودينا قيما ومنهاجا رشيدا، {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} كانت العاقبة نزع ولاية الله ونصرته، إذ لا ولي ولا ناصر إلا الله تعالى.

ذلك أن مداهنة الأعداء إما أن تكون لتقاعس عن نصرة الدين، أو تكون عن ركون إليهم ومحبة، أو تكون عن ضعف ووهن، فإن كانت عن تقاعسٍ فلِسقوط الهمم ودناءة الأصلِ والأَرُومَةِ، وخمول النفوس وبلادة العقول، وإن كانت عن ركون للكفر وموالاة لأهله فعن ظلامية التصور الإيماني في القلوب، وإن كانت عن ضعف ووهن فعلاج ذلك الانصراف إلى إعداد القوة للدفاع والمدافعة، وفي كل الأحوال، ركونا أو تقاعسا أو ضعفا، تكون نتيجة المداهنة واحدة، تبدأ بما يزعمونه تسامحا من الطرفين في تطبيق بعض مقتضيات الدين، ثم يتدرج الأمر إلى محاولة ضغط القوي على الضعيف للتنازل عن مبادئه، والقوي عادة في عصرنا هذا وعصور الانحطاط التي تقدمته هم نصارى الغرب وصهاينته. ولنا من تاريخنا شواهد وشواهد. من ذلك الدولة الحفصية في تونس، إذ استمرت دهرا كما هو حال دولنا المسلمة المعاصرة بين مد وجزر، ووحدة وانقسام، واضطراب وتنازع على السلطان، مع غيرها أحيانًا، وبين أعيانها ورجالاتها أحيانًا أخرى، خضعوا للمرينيين فترة، وللإسبان فترة، وحاربوا في صفوف الصليبيين فترات، واضطروا لإعطاء الجزية إلى ملك صقلية (شارل دانجو) ، اتقاءً لاعتداءاته على شواطئهم وتهديده لبلادهم، بل إن السلطان الحفصي"المستنصر"أخذ يتودد إلى رهابنة النصارى حتى ظن لويس التاسع أنه يميل لاعتناق النصرانية، مما شجعه على غزو تونس في 26 ذي الحجة سنة 668 للهجرة (1270 م) ، إلا أن المستنصر ضاعف جزيته لهم فتراجعت الحملة الصليبية عنه، ولم ينقذ تونس من النفوذ الصليبي إلا الأتراك العثمانيون، الذين أبادوا دولة الحفصيين وضموها إلى خلافتهم، على يد الوالي العثماني في الجزائر سنة 1569 م بعد أن فَرَّ السلطان الحفصي مع الإسبان.

واليومَ في عصرنا هذا وأموال المسلمين وأعراضهم مباحة مستباحة، وأراضيهم ترتع فيها جيوش الشواذ والشاذات بدعوى التسامح والسياحة، أو تستعمرها أرتال المجندين والمجندات لحماية أقزام استقدموها على خنوع وذلة وصغار، فقد تجاوز المسلمون حالة المداهنة التي كانوا يزعمونها دهاء وحكمة إلى حالة التخلي عن ثوابت الدين والعرض والأرض {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} الشورى 44.

إن الله تعالى يخاطب المسلمين في كل عصر يحذرهم من مداهنة الكفار أو الركون إليهم أو التخلي عن الاستعلاء بالإيمان والدين، مبينا لهم أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنهم إلا إذا ارتدوا وكفروا، وأن خيرا لهم في الدنيا والآخرة أن يَدَعُوا محاولةَ استرضائهم ومداهنتهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ، وأن يُقبِلوا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت