الدعوة إلى الحق الذي بين أيديهم لأنه هو الهدى الحق {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} ، وهو الدين القيم المنقذ من خزي الدنيا وعذاب الآخرة {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران 85، وما سواه تيه وضلال {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَال} يونس 32.
ولما كان جوهر دعوة الحق بشارة ونذارة {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} ، عقب عز وجل بذكر أهل البشارة والنذارة فقال: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} ، والكتاب في هذه الآية الكريمة هو القرآن الكريم مُجَمَّع الحقائق الإيمانية، والتلاوة هي الاتباع كما في قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} الشمس 1/ 2، والاتباع الحق للقرآن هو تطبيقه والعمل به في النفس والأهل والولد والشارع والمكتب والمدرسة والمعمل، وفي الأمة نظام دولة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
هذه الأمة الساعية بالإسلام بين الأمم، وهؤلاء الأشخاص الساعون به بين الناس هم المؤمنون حقا {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} ، هم الذين يستحقون بشارة ربهم بالرضا والقبول والجنة. أما الذين يعرضون عن القرآن كله أو يؤمنون ببعضه ويجادلون في بعضه تشكيكا وترددا، أو الذين اتخذوه عضين، فقد خسروا أنفسهم، وساء ما يلقون من ربهم {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، هؤلاء ليست لهم إلا النذارة بما ينتظرهم عند ربهم من خزي وعذاب وخسران، قال تعالى: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 90/ 93، وقال: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} الشورى 45.
ثم يختم القرآن الكريم هذا القسم المتعلق بأمة عُزِلَتْ عن إمامة البشرية، هي أمة بني إسرائيل، أمة فشلت في المحافظة على صفاء العقيدة وعجزت عن تجسيد دين الله في الحياة، وجعلت استعلاءَ الإيمان اعتزازا بالعرق والسلالة، وتَمَيُّزَ الحق تميزا بالباطل والإثم، فخاطبها وطوي ملفَّها بما ينتظرها قائلا: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ، مذكرا بواسع ما أنعم به عليهم، وشنيع ما قابلوا به النعم من كفر وعتو وجحود وتمرد، وفظيع ما ينتظرهم يوم العرض والحساب، حيث لا تنوب فيه نفس عن نفس ولا يحمل فيه أحد وزر أحد، ولا يقبل فيه فداء (عدل) ، ولا تنفعهم شفاعة ولا ينصرون.
وهذا الخطاب لليهود إعلان واضح بِطَيِّ ملفهم على الكفر والعزل، وتمهيد للحديث فيما بقي من سورة البقرة عن الأمة البديل، أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي نصبت لهذه المهمة الخطيرة، إمامة البشرية وقيادتها فيما بقي من أدوار الحياة والممات، لذلك خاطب رب العزة من قبلُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} ، ومهد بعد ذلك للحديث عن أمة الخلافة الراشدة بذكر أبي الأنبياء وجد دوحة الرسالة الغراء، إبراهيم