عليهما السلام، وجعلهم أئمة وقادة للبشرية، بشرط الوفاء بالعهد، والقيام بمقتضيات الميثاق المأخوذ عليهم، فكانوا نموذج الخيانة والتمرد والكفر والجحود، مما أحلهم دار البوار وجرعهم مرارة العزل عن الإمامة مقرونا باللعنة والخلود في العذاب المهين، فإن الله تعالى وقد اختار لإمامة البشرية أمة أخرى نبيها صلى الله عليه وسلم من نفس الدوحة الإبراهيمية من ولد إسماعيل عليه السلام، قد خصص ما بقي من سورة البقرة ابتداء من الآية 124 للتعريف بهذه الأمة المستخلفة وطبيعة تكوينها عقيدة وشريعة ومسؤولية وأمانة تبليغ وتربية وهداية وشهادة ومدافعة. ممهدا لذلك بالحديث عن جذورها ونسبها إلى الدوحة الإبراهيمية وشجرة الأنبياء عليهم السلام، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى) ، لأن إبراهيم عليه السلام دعا ربه بذلك قائلا: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} البقرة 129، وعيسى عليه السلام قال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} الصف 6.
ولقد حققت أمة الإمامة هذه، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في نفسها صفاءَ عقيدة وثباتَ جنان على الحق، وصمودا في مواجهة الباطل ومدافعته، مقوماتِ الخلافة والقيادة والريادة، وشهد لها ربها تعالى بذلك فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران 110، وقال: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} البقرة 285. وكانت بذلك دائمة التجدد عبر الحقب، لها من قرآنها الذي لا يغسله الماء، ولا يمحوه تعاقب الليل والنهار، وسنة نبيها التي لا تبلى، وطائفتها المنصورة التي لا يضرها من خذلها، وعلمائها الذين لا يخافون في الحق لومة لائم، ما يعصمها من الامحاء والاندثار، ويجدد لها كل حين، شبابها الغض ونضارتها الوضيئة ومجدها التليد.