فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 523

أن تبرأ من أبيه وقومه، ولكنه لم ينس الطائفة المسلمة التي تأتي من بعده على مر الحقب والدهور، فدعا لها بما ينجيها ويحييها ويزكيها ويعلمها.

إنها وحدة قلوب المؤمنين إلى يوم الدين، شعارها التكافل، يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، هاجس كل منهم أن يهتدي ويهتدي معه الناس، ينجو وينجو معه المؤمنون، من جيله والأجيال بعده، لأنه يعرف قيمة الإيمان والطاعة ويحرص على أن يُسْبَغا على من يأتي بعده، ويعرف عقبى الاستغفار لنفسه ولمن سبقه والدعاء لذريته ولمن يلحق به من المسلمين، وتلك مزية إبراهيم وابنه إسماعيل وسابقتهما في الفضل، ومنزلتهما في عالي الدرجات {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} الواقعة 10/ 11، إذ باليقين والأعمال الصالحة والإيثار ومحبة الخير للناس جميعا يتفاضل الخلق في الدنيا والآخرة، وبالعقل والعلم والحكمة يبلغ المرء قمة رشده وهدايته، لذلك دعوَا ربهما لعقبهما ولمن يأتي بعدهما بألا يُخْلِيَهم من رسول وشرع وهداية وحكمة وقالا: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ} هو محمد صلى الله عليه وسلم، بعث إلى الناس كافة، في قومه العرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} يبلغهم آيات الله تعالى قرآنا مبينا بالسنة والقدوة، فيتناولونه بالتلاوة والدرس والبحث واستقصاء المعاني والمرامي، ويعلمهم الحكمة صوابا في القول والعمل وتعقلا وحلما وحسن تصرف في الحال والمآل، ومعرفة بأسرار الدين ومقاصده، وسنن الله في الخلق والتغيير والتغير، ويكشف لهم سبل الصالحين والمصلحين فيسلكونها، وسبل المجرمين والمفسدين فيجتنبونها، {وَيُزَكِّيهِمْ} يطهرهم من الشرك وأرجاسه، ومن منكرات النوايا والأقوال والأعمال والأهواء، ويصلحهم أفرادا ومجتمعا بما يحفظ طهارتهم النفسية والسلوكية، تخلية من كافة الشرور وتحلية بكل بر رشيد نير، ويستديم صفاء قلوبهم فيكسبها حظها من النماء وارتقاء درجات اليقين والإحسان والقرب، ثم ختما دعاءهما بالثناء على الله تعالى تأدبا وتقربا وتبركا باسمين من أسمائه الحسنى وصفاته العليا فقالا: {إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ} الذي لا يعجزه شيء، القادر المقتدر الغالب في حكمه وسلطانه {الحَكِيمُ} في صنعه وإتقانه وأفعاله وأقواله علما وحكمة وعدلا.

وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قَدَرَ الله السابق كما قال صلى الله عليه وسلم: (إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمجندل في طينته، وسأخبركم بأول أمري، أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام)

لقد كانت سنة التضامن بين الأجيال المسلمة المتعاقبة من صنيع إبراهيم عليه السلام، بها وبغيرها استحق أن يكون أبا للمسلمين وقدوة لهم في العقيدة والولاء لربه وللمؤمنين، والبراء من الشرك والمشركين {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل} الحج 78، ولئن دعا نوح عليه السلام على قومه إذ عصوه فقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} نوح 26/ 27، فإن إبراهيم الأواه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت