فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 523

الحليم قال: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} إبراهيم 36، بهذه السنة الإبراهيمية، سنة تضامن أجيال المسلمين بشر موسى وعيسى عليها السلام بمحمد صلى الله عليه وسلم {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} الأعراف 157، وبها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) ، وبها أُمِرْنا بعد التوحيد أن نستغفر لأنفسنا وللمؤمنين، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} محمد 19، وبها يدعو الخلف الصالح للسلف الرشيد: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} الحشر 10، وفي الحديث: (رب اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات) . وكان بذلك على المسلم أن يقتدي بالصالحين ممن سبقه على هدي الكتاب والسنة، ويستغفر لهم، وأن يؤسس القدوة الصالحة لمن يعاصرونه أو يأتون بعده ويدعو لهم.

إن سنة تضامن أجيال المسلمين تكافلا وتعاونا وتناصحا ووحدةَ صفٍّ وقلوبٍ وهدفٍ، وقايةٌ من الفساد وترسُ مدافعةٍ لصد الشر عن مجتمع المسلمين في كل عصر، وأداةٌ لتحقيق ريادتهم وقيادتهم للناس، وما انفراط هذه السنة وامحاؤها فيهم واندثارها في علاقاتهم إلا نذير انكسار شوكتهم، وذهاب ريحهم وزوال إمامتهم، قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} ، وقال: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} الأنعام 65، وقال: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} الأنفال 46، وقال: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} الروم 31/ 32، وفي الحديث: (وَإِذَا تَسَابَّتْ أُمَّتِي سَقَطَتْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ) ، (إذا لَعَنَ آخِرُ هذه الأمة أوَّلَها، فمَنْ كتم حديثًا فقد كَتَم ما أنزلَ الله عز وجل) .

هذه عقيدة إبراهيم عليه السلام، وهذه طريقته ومنهجه، براءة من الشرك وأهله، وانشغال بال بأمر الخلق وهدايته، ومحبة للخير يعم الناس جميعا، فأين منه من يدَّعون الانتسابَ إليه واتباعَه من طائفتي اليهود والنصارى المعاصرين للبعثة النبوية؟ أين منه المتفاخرون بأبوته لهم من مشركي قريش والعرب قاطبة؟ أين هم منه وقد تلبسوا بكل قبيح في الاعتقاد والقول والعمل، وامتلأت قلوبهم برديء المشاعر حسدا وبغضاء وكراهية واستئثارا؟ أين هم وقد رغبوا عن ملته وأعرضوا عن دينه؟

لذلك بعد أن بين القرآن دين إبراهيم ومنهجه وإمامته وفضله، عرَّض بمن يدعون الانتساب إليه وانتحال وراثته من اليهود والنصارى ومشركي العرب، فقال: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} ، لا ينحرف عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت