الإسلام الذي هو دين إبراهيم وملته إلا من سفه نفسه، أي امتهنها واستخف بها وظلمها بسوء رأيه وجهله وخفة عقله، ولا اهتداء إذا حل الجهل ولا رشد إذا افتقد العقل والحلم.
يقال: رغب في الشيء إذا أراده، ورغب عنه إذا كرهه وأعرض عنه وزهد فيه وانصرف عنه، والملة في الأصل الطريقة والنهج، غلب إطلاقها على أصول الدين، قال الراغب في"مفردات القرآن": (الملة كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله، والفرق بينها وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي عليه الصلاة والسلام الذي تسند إليه نحو: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} آل عمران 95، {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} يوسف 38) .
وأصل لفظ"المِلَّة"من: فعل مَلَّ الشيءَ في الجمْر يَمُلُّه مَلًّا أي: شواه، يقال: ملَّ اللحمَ فتَمَلَّلَ أي شواه فانشوى، ومَلَّ القَوْسَ أوالسهمَ أوالرمح في النار: عالجها به، والمَلَّة: الرَّماد الحارُّ والجمْر، والحفرة التي فيها النار، والموضع الذي يشوى فيه الشيء أو يختبز فيبقى عليه أثره وطريقه، وتملَّلَ وامْتَلَّ إذا دخل في مِلَّة، ومنه لفظ"المِلَّة"بمعنى السنة والطريق والمنهج والشريعة، إشارةً إلى ارتباط بين التدين وبين المحن في غالب الأحيان.
وقد بين القرآن الكريم بوضوح كامل معنى ملة إبراهيم فقال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام 161/ 163، وقال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل 123.
ثم بين تعالى بعد أن أشاد بإبراهيم وملته ودينه وإمامته، أن هذا الفضل الذي أسبغه عليه اصطفاءٌ منه عز وجل، مؤكدا بحرف التوكيد"اللام"، ومحققا بحرف التحقيق"قد"، فقال: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} من"صفا يصفو صفاء"، والصفاء نقيض الكدر، وصفوة كل شيء خالصه، والاصطفاء: الاختيار والاجتباء، على وزن"افتعال"، أصله: الاصتفاء، قلبت تاء الافتعال فيه"طاء"لقرب مخرجها من مخرج الصاد، أي: اخترناه للرسالة والإمامة والإسوة الحسنة وأبوة الأنبياء من بعده وللمسلمين إلى يوم الدين في الدنيا، ثم عقب تعالى على هذا الاختيار مؤكدا بحرفي التوكيد"إن"و"اللام"فقال: {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) أي مع الصالحين أنبياء ورسلا في الجنة، وقد جرت سنة الله في خلقه أن يصطفي من عباده من يشاء للنبوة والرسالة في الدنيا ولنعيم الجنة في الآخرة، منةً إلهية منه عز وجل، لحكمة يبينها في مجالات ويستأثر بها في مجالات أخرى حسب مشيئته، وما كان لأحد من عباده الخِيَرَة، قال تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} الأنبياء 23، وقال: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} القصص 68، وقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} الحج 75، وقال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} آل عمران 33.