فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 523

وفي إشارة واضحة إلى جميل صنع الله وحكمته في الاختيار والاصطفاء بين عز وجل فضيلة أخرى من فضائل إبراهيم عليه السلام، هي سرعة مبادرته إلى الطاعة والانقياد بدون تردد أو اضطراب فقال: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، أُمِرَ بالاستقامة على الإسلام فأسرع إلى الامتثال، وبالثبات عليه فشمر عن ساعد الجد، وبإخلاص العبودية فكان العبد الصابر المحتسب، ونودي إلى الاصطفاف في ركب الإيمان بعد منة الاصطفاء والإحسان، وإلى السُّرَى في عتمة الجاهلية ورمضاء الكفر والجحود، فكان سابق القوم ورائدهم إلى الصف الأول إذ نطق بكلمة الإخلاص: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وفي الحديث الصحيح عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما آيات الإسلام؟"، قال: (أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله عز وجل وتخلَّيْتُ) أي تَبَرَّأتُ من الشرك. وقال: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) ،

لقد تمسك إبراهيم عليه السلام بكلمة الإخلاص هذه، ودعا لها ونشرها وأوذي في سبيلها، وأوصى بها {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} وكانت وصيته ووصية حفيده يعقوب لذريتهما: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} اصطفى لكم الدين: أي ارتضى لكم الإسلام وشرعه لعبادتكم فاثبتوا عليه وتمسكوا به إلى أن يدرككم الموت وأنتم عليه، وهذا كقوله تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} المائدة 3، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جاءني جبريل عليه السلام فقال: إن الله ارتضى هذا الدين لنفسه ... ) وكما روي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه سئل: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنِ الإيمانِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَ الأمُورَ فَاصْطَفاى لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ، وَاسْتَخْلَصَ مَا أَحَبَّ، فَكَانَ مِمَّا أَحَبَّ أَنَّهُ ارْتَضاى الإسْلاَمَ، وَاشْتَقَّهُ مِنِ اسْمِهِ فَنَحَلَهُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ شَقَّهُ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَعَزَّزَ أَرْكَانَهُ عَلاى مَنْ حَارَبَهُ، هَيْهَاتَ مِنْ أَنْ يَصْطَلِمَهُ مُصْطَلِمٌ جَعَلَهُ سَلْمًا لِمَنْ دَخَلَهُ، وَنُورًا لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ، وَبُرْهَانًَا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَدِينًا لِمَنِ انْتحَلَهُ، وَشَرَفًَا لِمَنْ عَرَفَهُ، وَحُجَّةً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَعِلْمًَا لِمَنْ رَوَاهُ، وَحِكْمَةً لِمَنْ نَطَقَ بِهِ، وَحَبْلًا وَثِيقًا لِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ، وَنَجَاةً لِمَنْ آمَنَ بِهِ ... ) .

لقد صارت وصية إبراهيم لأبنائه وحفدته وكافة المؤمنين بعدهم، عهدة في ذمتهم يتوارثونها، وسنة يتبعونها ويوصون بها كلما حضر أحدهم الموت، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة له فقال: (أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) . وقال: (خَلَّفْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا كِتَابَ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت