وَسُنَّتِى وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَىَّ الْحَوْضَ)، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) .
وبعد أن ذكَّر القرآن بإسلام إبراهيم ووصيته لذريته، التفت للرد على مزاعم يهود عصر البعثة باستفهام إنكاري لأباطيلهم وادعائهم ما لا قبل لهم بعلمه من أمر دين أبي الأنبياء: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء} هل كنتم شهودا حاضرين؟ {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي؟} سألهم سؤال تذكيرٍ بما ينبغي أن يثبتوا عليه من الدين، وليطلع على خالص طويتهم ومقدار تمسكهم بعقيدة التوحيد بعد وفاته، فأجابوه بما يدل على رسوخ إيمانهم: {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
لقد كان يهود عصر البعثة يفترون على يعقوب ويزعمون أنه على اليهودية، كما روي أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:"ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية؟"، فنزلت هذه الآية الكريمة تفضح تناقضهم، وتبين أنهم لا يصلحون للشهادة على يعقوب وقد كان قبلهم بأجيال وأجيال، واليهودية نفسها لم تعرف إلا بعد موسى عليه السلام. وأن الدين عند الله تعالى هو الإسلام كما أقر به أبناء يعقوب بقولهم: {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا} . الإسلام هو دين الأنبياء والرسل جميعا من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام، لقد قال نوح لقومه: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يونس 72، وقال موسى لقومه: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} يونس 84، وقال الحواريون لعيسى: {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران 52، وقال بعض أهل الكتاب لما سمعوا القرآن: {آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} القصص 53.
ولئن كان إسلام جميع الأنبياء والرسل واحدا فيما يخص أصول الدين وكلياته توحيدا للربوبية والألوهية وإيمانا باليوم الآخر والبعث والحساب وبالنبوة وحَمَلَتِها، ومكارم الأخلاق ومحاسنها، فإن تشريعات العبادة وأحكام المعاملات والحلال والحرام تختلف من رسول إلى رسول بوجه عام، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة 48، ولذلك جاءت الشريعة المحمدية بما لم يكن موجودًا في الشرائع السابقة، أحلت كل الطيبات وحرمت كل الخبائث ووضعت عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وشرعت لهم ما فيه اليسر والتخفيف. قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} الأعراف 157.
ثم عقب تعالى على إخلاص إبراهيم وبنيه، وصدق تمسكهم بالدين، وعلو مرتبتهم عند رب العالمين، بتنبيه اليهود والنصارى، وكانوا يفاخرون بنسبهم الإبراهيمي، يظنون أنه ينجيهم بين يدي الله، محذرا من الاتكال على رابطة الدم والعرق بصالحي الآباء والأجداد فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} تلك أمة إبراهيم وبنيه وقد مضت وأفضت إلى ما