الرعد 15، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} آل عمران 83، الكائنات كلها منقادة لربها خاضعة له طوعا وكرها، لأنها تحت حاكميته وقيوميته، مسبحة بحمده معترفة بفضله إن بلسان الحال أو لسان المقال، إلا أن صنفا من هذه المخلوقات هم البشر، خلقوا أسوياء في أحسن تقويم، مسبحين كسائر المخلوقات، وابتلوا بالإهباط إلى الأرض والهداية إلى نجدي الخير والشر اختبارا وامتحانا، فاجتالت بعضهم الشياطين، أغوتهم وزينت لهم طريق الضلال فنسوا سواءهم وركنوا إلى انحرافهم وجحودهم وتمردهم، وكان منهم في عصر البعثة ثلاثة أصناف من الكفار يفاخرون كلهم بنسبهم الإبراهيمي، يهود يدعون عبادة الله وما يعبدون إلا مصالحهم وعجول ذهبهم، منتحلين إيمانا ينسب لربهم عزيرا ولدا، ونصارى أفسدوا تسبيحهم بشركي التثليث وحاكمية الأحبار والرهبان، وكفار من مشركي العرب يعبدون أوثانا وأهواء علها تقربهم إلى الله زلفى، هذه الملل من الكفر كان يجمعها محور واحد هو المعاداة للدعوة التوحيدية الناشئة المنبعثة فيهم، وتكذيب ما جاء به رسولها صلى الله عليه وسلم. لذلك بعد أن أيأسهم الوحي في الآيات السابقة مما كانوا يؤملونه من الانتفاع بالصالحين من الآباء والأجداد أنبياء ورسلا، وبين لهم أن الرابطة المعتبرة شرعا هي رابطة العقيدة لا رابطة الدم والعرق والنسب، فقال: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} البقرة 135، خوطبوا بدعوتهم إلى كلمة جامعة وفاصلة، تشرح لهم معنى الملة الحنيفية الأَحق بالاتباع، وهي التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وكان عليها إبراهيم عليه السلام، والتي تختزل مجادلاتهم ومشاكساتهم ومعاركهم المصطنعة، وتوفر جهد المسلمين ووقتهم، وتمهد للمفاصلة بين فريقي الإيمان والكفر، كلمة تربطهم بكل الصالحين قبلهم وبعدهم، وتكون لهم نجاة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
والأمر بإعلان الإيمان في قوله تعالى: {قُولُوا} موجه لليهود والنصارى والمشركين، كما هو موجه أيضا للمسلمين، وللثقلين من الجن والإنس في كل عصر على امتداد الحياة الدنيا، لأن الشهادة القولية المعلنة شرط في الإسلام الذي هو عقد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان، ولأن علامة صدق الإيمان بالله تعالى التعجيل بالتوبة والمسارعة إلى الامتثال والإذعان والاستقامة على نهجه وطريقه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} الأحقاف 13، وقال أولو الألباب الذين عرفوا الله وسارعوا إلى الإذعان والطاعة والإيمان كما ورد في سورة آل عمران 193: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (قل آمنت بالله ثم استقم) . وما تقديم الأمر بالإيمان بالله في قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ} إلا لكونه رأس الأمر وقوامه، لا يختلف باختلاف شرائع الأنبياء والرسل، به تتعلق النوايا والأقوال والأعمال، وكل خلل في التصور