فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 523

هي خير الأمم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله وتقيم الشهادة بين يديه، فكان ميلادها آية أخرى من آيات الخلق الإلهي وإنشاء رائعا من صنع بديع السمواوات والأرض.

وكما هي سنته عز وجل، ينفصل الجنين عن محضنه في رحم الأم، ثم ينمو ويتكامل وتتميز ملامحه وتستقل شخصيته، فإذا هو خلق جديد، كذلك أمة الإسلام، كان لابد لها وقد بعثت أن تتكامل وتستقل عن المحضن الذي نشأت فيه وأن تتميز في ظاهر أمرها وباطنه، في حياتها ومعيشتها وطقوسها وأخلاقها وعلاقاتها كما تميزت في عقيدتها وتصوراتها وغاياتها وأهدافها، وهي في ذلك أشبه بالإنسان إذ نشأ من طين ثم من نطفة في قرار مكين ثم استوى خلقا آخر في أحسن تقويم {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} المؤمنون 12/ 14.

هذه الأمة وقد خرجت من رحم الجفاء القرشي والغلظة البدوية بعد مخاض شاق عسير إلى رحابة الهجرة في المدينة، وأخذت معالم كيانها تنمو وتتكامل وتتميز، بما يتنزل عليها من القرآن الكريم بعامة وسورة البقرة منه بخاصة، كان من الطبيعي أن تخطو نحو الاستقلال التام والتميز الكامل عن محيطها الحالي ومنبتها السابق. كي تستطيع أن تقوم بمهمتها من موقع حصين ومنطلق سليم.

على هذا النحو سارت تشريعات المرحلة المدنية في بناء الحياة المادية الظاهرة للأمة طقوسا وعبادات ومعاملات، بعد أن شيدت المرحلة المكية صرح بنائها النفسي والعقدي، فكانت عملية تحويل قبلة الصلاة من بيت المقدس إلى البيت الحرام في مكة أول معلم بارز في هذا المسار. وكانت تبعا لذلك الرجة في صفوف ضعاف الإيمان من المسلمين، والغيظ في قلوب اليهود والمشركين، وانبرى السفهاء من جميع الطوائف الضالة، في لغطهم المعهود يشككون ويشاغبون، مما أخبر به رب العزة تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه بقوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ، فكان إخباره بما سيصدر عن خصوم الدعوة من سفاهات جاهلة وتساؤلات فجة تافهة جزءا من الإعداد النفسي للجماعة المسلمة، تتبلور به ثقتها بربها وطاعتها لقيادتها الرشيدة، وامتثالها لتعاليم قرآنها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وتتميز به شخصيتها وخصائصها ومناهجها، بصفتها أمة الاستخلاف والشهادة والريادة، ولتكون على تمام الأهبة لمواجهة الدسائس الرخيصة والكيد الخبيث، والأساليب الملتوية المستخدمة للتشكيك وبلبلة الأفكار والمعتقد وإضعاف الصف المؤمن.

لقد كان الأحب للنبي صلى الله عليه وسلم من أول أمره أن يستقبل في صلاته الكعبة، وهي أول بناء للعبادة وضع للناس في الأرض {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} آل عمران 96، وهي ميراث إبراهيم عليه السلام، وقد ورث محمد صلى الله عليه وسلم ملته وقبلته، وأحيا عقيدته وسنته، إلا أن الكعبة أصبحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت