فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 523

على يد مشركي قريش مليئة بالأصنام، والدعوة ما زالت في طورها الأول، تخطو خطواتها الوئيدة لتثبيت العقيدة وتطهير القلوب من الأوثان قبل تطهير المباني والجدران، لذلك كان التوجه في المرحلة المكية بأمر من الله تعالى نحو بيت المقدس، وهو قبلة اليهود، تجنبا لما في الكعبة من أصنام لم تحن بعد مرحلة تحطيمها، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس حينا والكعبة بين يديه، كما روى الإمام أحمد عن ابن عباس، وحينا يجعل الكعبة خلف ظهره أو بينه وبين بيت المقدس كما حكى الزهري، على إيثار قلبي منه صلى الله عليه وسلم لقبلة إبراهيم عليه السلام.

ثم لما هاجر مع أصحابه إلى المدينة ظل تعلقهم جميعا بمكة وهي الموطن الأول الذي أخرجوا منه قسرا، والبيت الأول الذي هو حق لهم ميراثا عقديا وأمنا روحيا ومعبدا، من مسؤوليتهم تحريره وتطهيره، فاشتد بهم الحنين والشوق، وأرهقتهم ظروف الهجرة، روى البخاري عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال] [1] [، قالت فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:

ألا ليت شعرى هل أَبِيتَنَّ ليلةً بوادٍ وحَوْلي إذخِرٌ وجَليل

وهل أرِدَنْ يوما مياهَ مَجَنَّةٍ وهل يَبْدُوَنْ لى شامةٌ وطَفِيلُ

قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة) . ولما قدم أُصَيْل الغفاري من مكة سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كَيْفَ تَرَكْت مَكّةَ يَا أُصَيْلُ؟"فَقَالَ:"تَرَكْتهَا حِينَ ابْيَضّتْ أَبَاطِحُهَا] [2] [وَأَحْجَن"

(1) - كان هذا قبل أن يضرب الحجاب على النساء

(2) - الأبطح أَثرُ السَّيل واسعًا كان أو ضيِّقًا، مَسيلُ الوَادِي، والبطحاءُ هو التَّرابُ السَّهْلُ اللين في بُطونِ الأودية ممَّا قد جَرَّته السُّيولُ، يقال: أَتيْنا أَبْطَحَ الوَادِي فنِمْنَا عليه، ج أَباطِحُ وبِطَاحٌ وبَطائِحُ. ومنه الحديث"أَنّه صَلَّى بالأَبْطَحِ"يَعنِي أَبطحَ مَكَّة، وهو مَسيل ُوَادِيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت