فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 523

كمن كان في مجهل من الأرض فله أن يتزود منه، على أن يطرحه حال الاستغناء عنه بالحلال. والأكل في هذه الحالات ينتقل من حكم الرخصة إلى حكم الوجوب إن خيف هلاك النفس، ومن الفقهاء من رأى أن من اضطُرَّ فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار، بهذا يتجلى واسع لطفه تعالى ورحمته لاسيما وقد عقب على ذلك بقوله: {إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، ولا عجب أنه عز وجل وقد اتصف بهذين الوصفين العظيمين أنزل إلى الناس شريعة لا حرج فيها ولا أصر ولا أغلال، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج 78، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ وما استُكْرِهُوا عليهِ) .

ولئن كان بعض ضعاف النفوس وصغار الهمم والمنافقين من أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام يستثقلون الأحكام الشرعية المنزلة في الكتب السماوية، لما تحرمه عليهم من دنيء الشهوات وتوافه اللهو وأدوات العبث، أو من المفاسد الخبيثة والمعاملات المنحرفة، وأوجه الانتفاع بالمكاسب المستقذرة، أو غير ذلك مما يعدونه فوائد وأرباحا، فإنهم كانوا يلجؤون في أغلب الأحيان إلى علماء من طينتهم، يفتونهم بما ترتضيه أهواؤهم. ولَمَّا كان هذا الصنف من العلماء نقطة الضعف في عملية المحافظة على الشرائع وتبليغها، وكانت آيات تحريم بعض المطعومات تتضمن ما يعده أهل الأهواء خسارات مادية أكلا وانتفاعا ومتاجرة، فقد أعاد رب العزة تحذير المسلمين من السقوط فيما ارتكبه قبلهم علماء أهل الكتاب إذ كتموا ما كان في كتبهم من أحكام شرعية لووا أعناقها استكثارا ومتاجرة، و أخفوا صفات النبوة الخاتمة التي بشر بها التوراة والإنجيل حسدا وغيظا، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} . وفي الآية تحذير شديد من كتمان أحكام الدين في الكتاب والسنة، وتوعُّد لمن يفعل ذلك من علماء المسلمين بعاقبة علماء السوء من أهل الكتاب إذ كتموا {مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} واشتروا بآيات الله وأحكام شريعته رُشىً ومكاسبَ محرمةً، عاقبتها إعراض الله عنهم، وحرمانه لهم من التزكية والتطهير والمغفرة {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في جهنم كما قال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه} الكهف 29.

هذا مصير الذين يبدلون نعمة الله وهديه كفرا، ويكتمون شهادة الحق تحريفا وإخفاء وسوء تأويل وتوظيف، ويؤثرون الضلالة على الهدى في الدنيا، والعذاب على المغفرة في الآخرة {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} ، أَعْجِبْ بجراءتهم على النار، وإصرارهم على التلبس بموجباتها، وصبرهم على تَرَقُّب التقحم فيها {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} ، وكتاب الله الذي بين أيديهم نزل بالحق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو الحجة عليهم وميزان قياس أعمالهم {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} ، وهم في تفسير معانيه وتبليغها مختلفون، وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت