اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) . كما يلحق بالخنزير في التحريم أيضا كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير لما رواه ابن عباس قال: (نَهَى رَسُولُ اللّهِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) .
أما قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} فالإهلال لغة هو رفع الصوت عند رؤية الهلال، استعير لما يرفع به الصوت عند الذبح، إن بذكر الله أوبذكر غيره، وما أهل به لغير الله هو ما يذبح للأصنام والأنداد والأضرحة ومبتدعات العادات المحرمة، أُهِلَّ بذلك لهذه الأنداد لفظا صريحا أو نية دون لفظ، أو ذبح بغير نية أو إهلال مطلقا كما يفعل العلمانيون واللادينيون، قال صلى الله عليه وسلم: (لَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ) أي ولو كان الذبح خلوا من ذكر الله وذكر غير الله، وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} الأنعام 121، كل ذلك حرام على رغم ما أفتى به مخالفةً لصريح القرآن والسنة بعض علماء القصور للأمراء والأغنياء والوجهاء في سياحاتهم المترفة ببلاد غير المسلمين، من جواز أكله إذا سمي الله تعالى عند تناوله.
والذي يظهر من الآية كذلك تحريم كل ما لا يقبله الله تعالى من الذبائح، فيندرج فيه أيضا احتياطا تحريم ما يذبحه المسلم للتفاخر والتباهي و ما كان كسبه من حرام. وما يذبحه غير المسلمين من أهل الكتاب لأعيادهم، وقد سئلت عائشة عن أكل ما يذبحه الأعاجم لأعيادهم ويهدون للمسلمين فقالت:"لا تأكلوه وكلوا من أشجارهم". والأصل في ذلك أن تغلب جهة الحظر في كل ما اجتمع فيه معنيان أحدها حاظر والآخر مبيح، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهاب استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ، وقال: (الحلال بين و الحرام بَيِّنٌ فدَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يريبك) .
إلا أن المكلف قد تَعْرِض له حالات اضطرار بالجوع الشديد الذي قد يتلف الصحة أو الحياة، فيكون ذلك مسوغا لتخلف حكم العزيمة الذي هو التحريم وقيام حكم آخر هو الرخصة في أكل المحرم وهو ما عقب به تعالى على المطعومات المحرمة بقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} إلى تناول شيء من هذه المحرمات لجوع شديد {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} حالة كونه غير باغ أي متحرزا من البغي الذي تلجئ إليه الضرورة بعض ذوي النفوس الضعيفة، وغير طالب للمحرم التذاذا وهو يجد غيره، وغير معتد بتجاوز لحد الرخصة أو انتزاع من مضطر آخر استئثارا وعدوانا، {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} فقد رفع عنه إثم أكل المحرم، وله أن يأكل منه ما يغنيه لحظته عن الجوع، وإن خاف ألا يتفق له وجدانه مرة أخرى