وتقوية لأواصر الأخوة وشفاء لجراح النفوس، أن يسقطوا القصاص عن القاتل مقابل تعويض مادي يدفعه لهم، وذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} ، أي أن القاتل إذا عفا عنه أخوه في العقيدة - ولي القتيل - بأن أسقط عنه القصاص نظير الدية، فعلى كل من طرفي النزاع واجب التعامل بالرفق والمودة، الولي يطلب حقه بالمعروف والقاتل يؤدي ما عليه بإحسان دون مماطلة أو مماكسة. وليس لأي منهما بعد إسقاط القصاص ودفع الدية أن يعتدي على الآخر تجاحدا أو تناكرا أو انتقاما، وهو قوله تعالى تعقيبا ووعيدا: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
ثم ختم تعالى آية القصاص هذه بآية في غاية البيان والإيجاز تبين حكمة هذا التشريع وبعد مراميه وما يحققه للمجتمع من مصالح، ويبعثه لدى ذوي العقول والألباب من حكمة في التصرف وبعد في النظر، وما يستجيشه في القلوب من ورع وتقوى، فقال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، أي أن القتل قصاصا أنفى للقتل عدوانا، وأن المرء إذا علم أنه يقتل إن أقدم على القتل أمسك وارعوى وارتدع، وبذلك تصان الحياة ويعم الأمن والسلم والثقة بين الناس.
بهذه الآية الكريمة يُتِمُّ الوحيُ تشريعَ جانب من البر في أخطر ما يواجه العلاقة الإنسانية من مخاطر العدوان على الأجساد والأرواح بضروب القتل والجراح، ثم ينتقل إلى ثلاثة أصناف أخرى من البر في أخطر لحظة من حياة المرء وهو يودع الدنيا ويتأهب للقاء ربه:
أولها قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} والبر بهذه الآية الكريمة يرافق مسيرة المرء المؤمن إلى آخر لحظة من حياته، تزكية له وتطهيرا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ اثْنَتَانِ لَمْ تَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظْمِكَ لأُطَهِّرَكَ بِهِ وَلأُزَكِّيَكَ بِصَلاَةِ عِبَادِى عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِكَ] [1] [) .
في تلك اللحظات الحرجة عندما يأخذ الموت بالكَظَم] [2] [يُذَكِّر ربُّ العزة تعالى عبدَه المؤمن التقي بلون من ألوان التكافل العائلي هو حق الوالدين والأقربين في ماله، فيفرض عليه الوصية لهم من غير ظلم للورثة أو إجحاف أو مضارة.
(1) - أخرجه ابن ماجه، كتاب الوصايا، وفي إسناده مقال
(2) - الكَظَم: مخرج النفس، يقال: كظمه الموت وأخذ بكَظَمه أي بحلقه وبمخرج نفسه والجمع كِظام كما في الحديث:"لعل الله يصلح أمر هذه الأمة ولا يؤخذ بأكظامها".