- (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي) مسلم
- (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ فَتَايَ) مسلم
ولقد كان الأسرى لدى غير المسلمين وما زالوا يلقون من صنوف الاضطهاد والعسف ما يكاد يلغي إنسانيتهم، سجنا وتعذيبا وتجويعا وجلدا واستغلالا، فشرع لهم الإسلام أخف نظام للأسر، أن يوضع كل منهم تحت رعاية أحد المؤمنين، محتفظين بحقهم في الحياة والكرامة والكسب والتنقل والزواج والإنجاب وطلب العلم وحرية الرأي والمعتقد، وأن تفتح لهم أوسع أبواب التحرر من الأسر كفارات ومكاتبة وغيرها، فظهرت بهذا النظام في المجتمع الإسلامي أجيال من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والمجاهدين مسهم أو مس آباءهم الأسر، فرفع الإسلام شأنهم وأعلى منزلتهم، وأبقى ذكرهم في العالمين.
أما ما عرفته مجتمعات تنتسب للإسلام أو لا تنتسب، من استئساد للقوي على الضعيف، أو للأبيض على الأسود أو الغني على الفقير، أو للذكر على الأنثى، واتخاذ للعبيد والجواري والإماء شراء وبيعا ورهنا وإرضاء للشهوات والنزوات فليس من الشريعة الإسلامية في شيء، وما اتخذ له من مبررات تلوي للنصوص أعناقها كذب على الله وافتراء، وظلم وعدوان وإفساد في الأرض.
إن نظام الأسر في الجهاد الحق لم تعرف له البشرية مثيلا قط، سواء لدى أعظم امبراطوريات الغرب والشرق قديما، أو لدى الحضارة الصليبية المعاصرة في حروبها العالمية وفي حروبها ضد الإسلام والمسلمين عند احتلالها لأوطانهم في القرون المتأخرة، أو أسرها لأعدائها منهم في سجون"أبو غريب"و"غوانتنامو"وغيرها.
إن الغضب لفقد قريب مقتول طبيعة بشرية لدى الناس جميعا، لا فرق بين أسير وغير أسير، ذكر أو أنثى، مسلم أو غير مسلم، أسود أو أبيض أو أحمر، لا يسع أحدا إنكارها أو كبحها، أو تلافي بعض ما قد تؤدي إليه، ولذلك عالجته الآية الكريمة من منطلق علم تام بالنفس البشرية وما يكسر شِرَّتَها وحِدَّتَها ويشفي حنقها، ويكف عدوانيتها، فأمرت بقتل القاتل وحده دون غيره، على سبيل العدل والمساواة من جهة، وتعطيلا لعادات الثأر وغرائز الانتقام التي تعصف بالوحدة والأمن الاجتماعي، وردعا لمن تسول له نفسه الإقدام على القتل من جهة أخرى. وهذا المعنى هو ما أشار إليه قوله تعالى أيضا: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} الإسراء 33.
هذا هو العدل الذي يعالج به الإسلام العدوان على الدماء، وهو القصاص، إلا أنه تعالى لحكمته البالغة ورحمته الواسعة جعل مع العدل صنوه المحبب للنفوس الطيبة وهو الإحسان، بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} النحل 90، والإحسان هو ما ندب إليه بفتح باب التعافي والتصالح والتراضي، إذ أبيح لأولياء القتيل تخفيفا على طرفي النزاع،