فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 523

القاتل عند والد المقتول، وقالوا: ماذا تريد؟ فقال إحدى ثلاث قالوا: وما هي؟ قال: إما تحيون ولدي، أو تملأون داري من نجوم السماء، أو تدفعون إليَّ جملةَ قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضًا. وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية". وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} أي أن القصاص ينال الفاعل وحده دون غيره."

وقد يفهم من هذه الآية أنه لا يقتل صنف إلا بمثله، إلا أن هذا غير مراد بها، لأن أسلوبها كان مجرد رد وإنكار على طغاة بعض القبائل العربية إذ يقتلون بقتيلهم غير قاتله عددا وصنفا كما روي في سبب النزول، أما الحكم الشرعي فقد تقرر في صدر الآية عاما بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ، وهي تعني أن الله أوجب قتل القاتل حرا كان أو عبدا مسلما أو ذميا ذكرا أو أنثى، كما هو المعنى أيضا في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} المائدة 45، وقوله: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} الإسراء 33، وشرحته السنة النبوية القولية والعملية تأكيدا للمساواة في حرمة الدماء مطلقا بقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) وفي عدد من حوادث القتل العمد، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاه) ، وقال عندما قتل مسلما بمعاهد: (أنا أكرم من وفى بذمته) ، وحرمة سفك الدماء بمجموع هذه النصوص ثابتة، عقوبتها القصاص، أن يقتل الحر القاتل عمدا مهما علا قدره، ويقتل بالقتيل حرا أو عبدا قاتله علا أو سفل، وتقتل الأنثى القاتلة مهما ارتفعت منزلتها، ويقتل بالأنثى المقتولة قاتلها عظيما أو حقيرا ذكرا أو انثى، ولا عبرة بما ذهب إليه بعض الفقهاء من تمييز على أساس الحرية والعبودة أو الدين أو الجنس، لأن التفاضل بين الناس مهما أقره الدين والمجتمع، لا يبيح العدوان أو إهدار الحقوق والإعراض عن العدل والتناصف.

على أن مفهوم العبد في هذه الآية الكريمة لا يعني ما تعارفت عليه الجاهليات قبل الإسلام وبعده، من تصنيف للناس وقد ولدوا سواسية إلى أحرار وعبيد،، فما لهذا نزل القرآن وما لهذا بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، إن العبد في الشريعة الإسلامية هو أسير الحرب في جهاد مستوف لشروطه نوايا وأعمالا، وما التعبير بلفظ"عبد"إلا استعمالا لما تواضع عليه الناس من كلام شعوب الأرض، تقريبا للمعاني وتدرجا في تربية النفوس واستدراجها لفهم حقائق الأشياء، وأول هذه الحقائق أن العبودية لا تكون لبشر على بشر ولا مخلوق على مخلوق، فالناس فيما بينهم سواسية كأسنان المشط، وهم كلهم عبيد لله تعالى، لذلك تقدم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسلمين خطوة أخرى في هذا المضمار التربوي فنهاهم عن إطلاق لفظ"العبد"على الأسير وقال فيما رواه البخاري ومسلم:

- (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي) البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت