فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 523

والقصاص لغة أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل بغيره، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، أما شرعا فهو قتل القاتل بالقتيل، وأن يفعل بالمعتدي مثل ما فعل بغيره، قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} المائدة 45، وهو أيضا"القَوَد"من أقاد السلطان القاتل بالقتيل أي قتله به، وفي الحديث الصحيح: (من قَتَلَ عَمْدًا فهو قَوَدٌ) أي قصاص.

أما الهدف الذي سيقت له الآية الكريمة فهو حماية الحق في الحياة، وكف العدوان على الدماء وقد كان شائعا في الجاهلية بحدة، واستمر في صدر الإسلام، كما في جميع المجتمعات البشرية عبر الحقب والأجيال، على تفاوت في نسبة حدوثه بين مجتمع وآخر. وأما سبب النزول فكان احتكام حيين من العرب حدث بينهما قتل وجراحات في الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لأحدهما طَوْل على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، فنزلت هذه الآية، لتكريس مبدأ المساواة وإبطال ما اعتاده المجتمع الجاهلي من استئساد القبائل القوية إذا قتل أحد أفرادها من قبل قبيلة ضعيفة فلم ترض حتى تقتل في مقابله أشخاصًا. وإذا قتل منها عبد تقتل في مقابله حرًا أو أحرارًا، وإذا قتلت منها أنثى قتلت في نظيرها رجلا أو أكثر، وهو ما كان سببا في سفك الدماء وانتشار الحروب والغارات، وما حرب البسوس التي دامت أربعين سنة بخفية] [1] [.

قال الإمام الرازي في سبب نزول هذا الحكم:"ذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين، أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى، فالأشراف كانوا يقولون: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن واحدًا قتل إنسانًا من الأشراف، فاجتمع أقارب"

(1) - ذلك أن كليبا رمى ناقة لبني شيبان فاختل ضرعها فولت حتى بركت بفناء صاحبها وضرعها يشخب دما ولبنًا، فلما خرجت جارية البسوس ونظرت إلى الناقة ضربت يدها على رأسها ونادت: وا ذلاه. فلما سمع جساس قولها سكنها وقال: أيتها المرأة ليقتلن غدًا جمل هو أعظم عقرًا من ناقة جارك. ولم يزل جساس يتوقع غرة كليب حتى خرج كليب لا يخاف شيئًا، وكان إذا خرج تباعد عن الحي، فبلغ جساسًا خروجه، فخرج على فرسه وأخذ رمحه وتبعه عمرو بن الحرث فلم يدركه حتى طعن كليبًا ودق صلبه، ثم وقف عليه فقال: يا جساس أغثني بشربة ماء. فقال جساس: تركت الماء وراءك. وانصرف عنه ولحقه عمرو فقال: يا عمرو أغثني بشربة. فنزل إليه فأجهز عليه، فنشبت الحرب بين بكر وتغلب، وأسرف المهلهل في قتل قبائل بكر لا يُبالي بأيّ منها أوقع، ولما أرسل الحارث بن عباد إليه ابنه بجيرا في الصلح قتله وهو غير قاتل كليب قائلا:"بُؤ بشِسْع كُليب"استهانة به، وشاع في الناس أنه قتله بشِسْع نَعْل كُليب، فاستعرت الحرب ثانية ودامت أربعين سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت