فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 523

- {وَآتَى الزَّكَاةَ} وهي ركن الإسلام المكمل للإنفاق الواجب على الأغنياء للفقراء، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة 60.

وكأنما هذه التكاليف الشاقة بعيدة المنال عن الضعاف من الرجال، لذلك أورد بعدها تعالى صفتين من الصفات التي لا يكون بر بدونهما، ولا يطيقهما سفلة القوم وأراذلهم، الأولى منهما بقوله عز وجل:

- {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} والعهد الملزم ما كان بين المرء وربه عز وجل من إقامة الدين، وبينه وبين الخلق فيما جاز له التعهد به، والنفوس الخبيثة عادة خائنة لعهودها مع الله ومع الناس. لأن الوفاء شيمة الأحرار، ومعدن الشهامة والكرامة لدى الأبرار، ومنبت حصافة الرأي والحزم وحسن التدبير عند العقلاء ذوي الأبصار. وما كل من عاهد وفى، أو وعد أنجز، أو اؤتمن أدى.

-والصفة الثانية بقوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ} جاء لفظ"الصابرين"منصوبا على المدح بتقدير:"أخص أو أمدح الصابرين"، وهو معطوف في المعنى على {مَنْ آمَنَ} في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. ) أي: البِرُّ هو بِرُّ مَنْ آمن وبِرُّ الصابرين المجاهدين، فِي الْبَأْسَاء} أي: الصابرين على أداء الطاعات قياما بالواجبات وكفا عن المحرمات في حالات الفقر والبؤس، {والضَّرَّاء} وحالات محن الابتلاء وآلام الفتن، {وَحِينَ الْبَأْسِ} وأثناء قتال العدو والجهاد في سبيل الله. قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} البقرة 214.

ثم ختمت الآية بأكرم حكم على الأبرار ممن اجتمعت فيهم هذه الخصال، فشهد لهم رب العزة بالصدق والتقوى وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ، وبلغوا بهذه الشهادة من الله تعالى لهم، غاية ما يطمح إليه ذوو النفوس الأبية، والأفئدة السليمة، والفطر السوية.

وبعد أن بين رب العزة أوجه بر الأفراد في المجتمع الإسلامي عقيدة وعبادة وخلقا حميدا، شرع في بيان أوجه أخرى من البر، هي وجوهه في المجتمع تناصفا وتعافيا، وبدأ بما يصون الأمن والسلم بين الناس، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} . وهو منه تعالى نداء إلى المؤمنين يرشدهم فيه إلى وجه آخر من أوجه البر التي يكف بها الظلم والعدوان، وتحفظ بها الدماء والأعراض والأموال، ويسود الأمن والتصافي والتعافي والتسامح والوحدة، وقد شرع لهم القصاص في جرائم القتل العمد بقوله عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} أي فرض، ولفظ {الْقِصَاصُ} ، اشتق من القص، وهو تتبع الأثر، من قولك قصصت أثره إذا تتبعته، قال تعالى: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ} القصص 11 أي اتبعي أثره، والقصص: الأثر، قال تعالى: {فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا} الكهف 64،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت