عن النبي صلى الله عليه وسلم قد حسمت الخلاف إذ أعلنت بوضوح تام أن هذا الصنف من الإنفاق واجب وجوبا عينيا على الغني تتوقف التقوى عليه كما في آخر الآية من قوله تعالى {وَأُولَئِكَ هُمُ المتَّقُونَ} ، وأنه كاشف لحقيقة الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، قال صلى الله عليه وسلم: (ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم) وقال: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه) ، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة 24
ثم بين عز وجل تباعا مصارف هذا المال وهم من:
- {ذَوِي الْقُرْبَى} لأن الأقارب أولى الناس ببر المرء وصدقته، قال صلى الله عليه وسلم: (صدقتك على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان، صدقة وصِلة) ، وقال أيضا: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) ، والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع، والكاشح المبغض للمنفق، كأنه يطوي العداوة له في كشحه.
- {وَالْيَتَامَى} وهم الصغار الذين لم يبلغوا سن البلوغ ممن مات آباؤهم ولا كاسب لهم، قال صلى الله عليه وسلم: (لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ) أي بعد بلوغ.
- {وَالْمَسَاكِينَ} والمسكين هو الفقير المحتاج المتعفف عن السؤال، قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} البقرة 273، أخذ لفظ"المسكين"من السكون والاستكانة، وهما مما يتصف به الفقراء عادة، ولا عبرة بما اختلف فيه أهل اللغة أو بعض الفقهاء من تمييز لفظي بين الفقير والمسكين.
- {وَابْنَ السَّبِيلِ} وهو المسافر الذي انقطع عن أهله، والمهاجر في سبيل الله أو لظلم لحق به وفرض عليه الهجرة، قال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّه} النور 22.
- {وَالسَّآئِلِينَ} الفقراء الذين يسألون الناس حاجتهم.
- {وَفِي الرِّقَابِ} أي في فك الرقاب من العبودة والأسر، وعتق المطلوبين للظالمين من مخاطر الإذلال والقتل والاغتيال.
ثم عطف على أعمال البر هذه بركنين من أركان الإسلام وهما الصلاة والزكاة في إشارة إلى الأركان الأخرى من حديث جبريل، فقال:
- {وَأَقَامَ الصَّلاةَ} صلاة الفريضة والنفل بشروطها وما تنهى عنه من فحشاء ومنكر.