ولئن أطنب بعض الفقهاء في بيان فضل الصيام وحكمة التكليف به، مشاركةً معنوية وشعورا حسيا بجوع الفقراء ومسغبتهم، أو آثارا إيجابية بادية للصيام في حياة الإنسان المادية والاجتماعية مما يعد تعليقا للفرائض الشرعية بالحكمة البشرية المحدودة القاصرة، فإن القرآن الكريم يكتفي في هذه الآيات الكريمة بعلة واحدة هي أم العلل وحكمة هي أم الحكم، يوجزها قول الله عز وجل: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، أي ترتقون به مراقي التقوى، وتجعلون بينكم وبين غضب الله تعالى وعذابه وقاء يحميكم، ومسلكا إلى نعمته يرضيكم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم 6، وقال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) ، والصوم بذلك إعداد نفسي وجسدي للمؤمن يؤهله للقيام بدوره المنوط به في الحياة، دعوةً إلى ربه وجهادا في سبيله وصبرا على ضروب المحن والبلاء، ومشاق الضراء والبأساء، ولاشك أن في تتويج فرض الصيام في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة بالجهاد الفعلي والنصر المؤزر في رمضان الموالي مباشرة ما يشير إلى حكمة ربانية بالغة وتدبير إلهي بين رشيد وثمرة للصوم يانعة.
ولئن ظن البعض أن الصيام شاق متعب تأنفه بعض النفوس، فإن في الآية ردا على هذه الشبهة يُذَكِّر بأن أمم الرسالات السابقة قد كتب عليها الصوم أيضا {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} وقام به أتقياؤها من غير تردد أو ضعف، وأنه مجرد أيام معدودات {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ، وَصَفَ"الأيامَ"وهي جمع قلة بلفظ"معدودات"وهو جمع قلة أيضًا، لكونها مجرد شهر واحد يهون صومه على المؤمن، سرعان ما ينقضي ويخلف الأجر الذي لا ينقضي. ولا داعي للاستطراد بالحديث عما اختلف فيه المفسرون عن كيفية من صام قبلنا من الأمم، توقيتا أو عددا أو أحكاما، لأن القرآن الكريم لم يبينه، والخوض في تفاصيله شريعتنا غنية عنه.
وتستمر الآية الكريمة في الرد على شبهات المشقة، فتورد أحكام اليسر في فريضة الصيام للمريض والمسافر والشيخ الفاني بقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} .
وللمريض عادة ثلاث حالات:
أن يكون مرضه خفيفا عابرا لا كلفة فيه ولا مشقة، فلا يعد رخصة للإفطار، بشرط ألا يستثير اقتران المرض الخفيف بالصيام أمراضا خطيرة كامنة في الجسد كما هو الشأن مثلا في حالات نقص المناعة.
أو أن يقدر المريض على الصوم بضرر ومشقة، أو يخاف تمادي المرض واستفحاله وزيادته، فيستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل كما يقول أولو العلم.