أو أن يكون في الصوم تلف للحياة وتهديد لها، والإفطار في هذه الحالة واجب، والصوم حرام، قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} النساء 29، وقال صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا) وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تصف خلق الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما) .
أما السفر المبيح للإفطار وقد أطلقته الآية فلم تقيده بالمشقة أو المسافة، أو الغرض المباح أو المحرم، فقد كان مثار اختلاف بين الفقهاء تأويلا لأحاديث نبوية وقياسا على مسافة القصر في الصلاة، والمسح على الخفين في الحضر والسفر، وتحريم سفر المرأة مسيرة يوم وليلة بدون محرم، واستنباطا من قواعد فقهية متعلقة بسد الذرائع وفتحها، مما يرجع إليه في مظانه بكتب الفقه.
وحكم الإفطار في هذه الحالات أن يصوم المفطر أياما أخرى مساويةً لما أفطر من رمضان في العدد، متفرقةً أو متتابعةً على التراخي أو الفور حسب مشيئته وطاقته لأن الآية {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} لم تشترط إلا القضاء عددا، وليس فيها ما يدل على التتابع، وإن كان الاحتياط للمؤمن أن يعجل بالقضاء حال توفر أسبابه، لأن الموت أقرب للإنسان دائما من حبل الوريد.
كما يلحق بهذه الحالات أيضا حال الحبلى والمرضع إن خافتا على نفسيهما أو ولديهما الهلاك أو الضياع، ولهما أن تفطرا وتقضيا، على خلاف حول ما قد يجب عليهما من فدية مع القضاء.
على أن حالة أخرى وردت عقب ذلك في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ، فاشتد الاختلاف بين المفسرين والفقهاء على تنزيلها والمعنيين بها، ومدار الجدل بينهم حول معنى الإطاقة، فمن ذهب إلى أنها القدرة على الصوم مطلقا، وهم القائلون بالنسخ، رأوا أن ذلك كان أول ما فرض الصيام فشق على البعض ورُخِّص لهم في الإفطار مقابل فدية، ثم حين قويت النفوس واشتد عودها نسخت الرخصة بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} ، وهو ما تؤيده رواية ابن إبي ليلى في البخاري قال: (حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ) .
ومن رأى أن الإطاقة معناها احتمال الصوم بأقصى جهد، أو استنفاد أصل الطاقة والعجز المطلق عن الصيام، ذهب إلى أنه لا نسخ في الآية، وحملها على حالة الشيخ الفاني الذي لا يرجو استعادة قدرته على الصوم فيتمكن من القضاء، والمريض الميؤوس من شفائه، وقد جعل لهما الله تعالى أن يفطرا ويتصدقا عن كل يوم بطعام مسكين، وهو ما ذهب إليه الحسن البصري وإبراهيم النخعي ومالك والشافعي، وعمل به أنس بن مالك إذ هرم وبلغ عَشْرًا بعد المائة فكان يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا. وفي رواية أنه ضعف عن الصوم فصنع جفنة من ثريد، ودعا