ثلاثيِن مسكينًا فأطعمهم. قال ابن عباس في رواية للبخاري: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ، قَالَ: يُكَلَّفُونَهُ، وَهُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْهَرِمُ، وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ الْهَرِمَةُ يُطْعِمُونَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلا يَقْضُونَ)، وقال أيضا: (لَيْسَتْ -أي الآية- بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) . على أن من المفسرين من رجح هذا المعنى، ولكن بتأويل للآية، يرى أن فيها إضمارا لحرف النفي"لا"تقديره:"وعلى الذين لا يطيقونه"، كما في قوله تعالى {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} النساء 176، ومعناه"لئلا تضلوا".
وتثار في هذه الحالة قضية من طرفين: الأول فقر المريض والشيخ الهرم وعدم قدرته على الإطعام فتسقط عنه الفدية كما في حديث أبي هريرة قال: (بَينما نحنُ جُلوسٌ عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم إِذ جاءه رجلٌ فقال: يارسولَ الله هَلَكتُ، قال: ما لكَ؟ قال: وَقَعتُ على امرأتي وأَنا صائمٌ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: هل تَجِدُ رَقبةً تُعْتِقُها؟ قال: لا، قال: فهل تَستطِيع أن تَصومَ شَهرَيْنِ مُتتابِعَينِ؟ قال: لا، قال: فهل تَجدُ إطعام سِتينَ مِسْكِينًا؟ قال: لا، قال: فمكَثَ النبيُّ، فبَينا نحنُ على ذلكَ أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بعَرَقٍ فيها تَمْرٌ ـ والعَرَقُ: المِكْتَل ـ قال: أينَ السَّائلُ؟ فقال: أنا، قال: خُذ هذا فتصدَّقْ بهِ، فقال الرجلُ: أَعَلَى أفْقرَ مني يا رسولَ الله؟ فوالله مابَينَ لَأْبَتَيْهَا ـ يُرِيدُ الحَرَّتَينِ ـ أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهلِ بيتي، فضَحِكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم حتّى بَدَتْ أنيابهُ ثم قال: أطْعِمْهُ أهلَكَ) .
أما الطرف الثاني من الحالة فأن يكون المفطر للعجز المطلق الدائم عن الصيام موسرا، وقد خاطبته الآية الكريمة بقوله تعالى {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} ، تحثه على إطعام أكثر من مسكين عن اليوم الواحد استزادة للخير والبركة والأجر.
وبالتفات لطيف لين إلى من قد يتردد في الصوم تثاقلا أو عجزا وهميا عن القيام به، يحض المكلفين جميعا على اغتنام فرصة الشهر المبارك ينهلون من بركاته صوما مأجورا وخيرا كثيرا بقوله تعالى: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، وهو حض متعلق بأول الآية السابقة تقديره:"كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون"، أي إن الصوم خير لكم إن كنتم تتدبرون معاني التقوى والقربى الكامنة فيه، وتعلمون ما له في الآخرة من حسن المثوبة والجزاء، عن أبي أمامه رضي الله عنه قال: (قلت يا رسول الله مرني بعمل، قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له- أي لا يعادل ثوابه بشيء-، فقلت يا رسول الله مرني بعمل، فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له، فقلت: يا رسول الله مرني بعمل أدخل به الجنة، فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له) .
ثم ينتقل إلى بيان مدة الصوم المفروض في الآية السابقة {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} ، فيحصيها ثلاثين يوما هي شهر رمضان، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ، ولفظ الشهر لغة مشتق من"الشهرة"لأن الهلال يظهر في الأفق فيشتهر بين الناس، وعدته ثلاثون يوما غالبا، ما بين ميلاد الهلال ومحاقه، وهو