جزء من اثني عشر جزءًا من السنة، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} التوبة 36.
أما لفظ"رمضان"فمشتق من قولهم"رمض الصائم يرمض"إذا جف حلقه من شدة العطش، والرمضاء شدة الحر، وقال الزمخشري: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، ومنه الحديث (صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال) ] [1] [وهي صلاة الضحى، وقيل إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها بالأعمال الصالحة.
والقرآن الذي تميز شهر رمضان بنزوله هو كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، في ثنايا آيه {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ} أي هداية إلى سبل الإيمان وبيان لأحكام الدين {مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} أي أن هدى القرآن وبيناته هداية مطلقة شاملة فارقة بين الحق والباطل، لأن حرف"مِن"في هذه الآية ليس للتبعيض كما يتوهم، ولكنه لبيان الجنس، وهدى القرآن الكريم وبيناته من جنس الهداية الربانية العامة الشاملة.
ولئن اختلفت الروايات في كيفية نزول القرآن ووقته، باختلاف ما أثر من روايات أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، على ثلاثة أقوال كما ذكر السيوطي في الإتقان, أحدها وهو الأرجح أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة، والثاني أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلةَ قدرٍ، أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين، في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة، ثم أنزل بعد ذلك منجمًا في جميع السنة، والثالث أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجمًا في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، فإن الثابت من نصوص الكتاب والسنة أن رمضان شهر نزوله، في ليلة مباركة منه هي ليلة القدر. قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان 3/ 4، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} القدر 1، وقال صلى الله عليه وسلم: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) ، واستمر نزوله منجما حسب حاجة الناس، على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حين وفاته عليه السلام، قال تعالى: وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ
(1) - الفَصِيل ولد الناقة إِذا فُصِل عن أُمه والجمع فُصْلان وفِصال، وقد يقال في البقر، ومنه حديث أَصحاب الغار:"فاشتريت به فَصِيلًا من البقر"، وفي الصحاح: رَمِضَتِ الفِصالُ: أي إِذا وجَدَ الفَصيلُ حرَّ الشمس من الرَّمْضاءِ، وهي الرمل إذا حميت فأحرقت خفافه وبرك، فتلك الساعة صلاة الضحى.