وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا الإٍسراء 106، فأخذ اليهود والنصارى يشككون ويجادلون يقولون:"هلاّ نزل القرآن على محمد جملةً واحدة فنعلم أنه رسول الله"فنزل قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} الفرقان 32/ 33.
ثم عقب تعالى على بيانه فضل القرآن وشهر رمضان بإيجاب الصوم فيه فقال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي: من علم منكم بدخول الشهر أو استيقن به، أو رأى هلاله وأهل عليه، وهو مقيم عاقل بالغ مكلف فقد وجب عليه صومه. ولما كان هذا الحكم عاما فقد استثنى عز وجل منه حالتي المرض والسفر فقال: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، فرخص للمريض والمسافر في الإفطار المقرون بنية القضاء أياما أخرى بعدد ما أفطر، وذلك منه تعالى تيسير لسبل العبادة دون مشقة، وتخفيف على المؤمنين {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، والثابت من السنة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر تشريعا وبيانا وتعليما، فقد سأله حمزة بن عمرو الأسلمي قائلا (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) ، وعن أبي سعيد الخدري قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من شهر رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)، وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا) ، أما قول الرسول صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصوم في السفر) فخاص بمن يرهقه الصوم في السفر إرهاقا شديدا، وأصله من رواية صحيحة عن جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟، قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر) .
إن هذه الأحكام الشرعية في الترخيص بالإفطار وإيجاب القضاء على المفطر إنما جعلت كما قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} أي ليتمكن المؤمن في كل أحواله عافية وسقما، سفرا وحضرا من إكمال عدة شهر الصيام ثلاثين يوما، لا يضيع منه فضل أو أجر في فترة من أشرف فترات حياته وأكثرها بركة، فلم يبق بعد هذا اليسر عذر في الإفطار بغير اضطرار. ولم يبق بعد إكمال العِدة شهرا إلا واجب التكبير والشكر لله تعالى على فضله ونعمته وتيسيره سبل الصلاح والفلاح، قال تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} ، وحرف اللام في"تكبروا"للعلة، متضمن مقصد الشرع، جعل التكبير مما أراده الله تعالى وأمر به، شرعه للإمام في خطبة صلاة العيد، ولعموم المسلمين أول يوم الفطر عند خروجهم للصلاة، وترك للسنة القولية والعملية بيان لفظه وعدده ووقته، على اختلاف بين فقهاء المذاهب الإسلامية في ذلك.