فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 523

أما قوله تعالى بعدها: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فتعليل آخر هو أعم من التكبير باللسان، لأن الشكر متضمن للتكبير، وهو تعظيم لله تعالى بالقلب اعترافا بفضله وآلائه، وباللسان أذكارا ومحامد مأثورة، وبالأعمال قربات وأوجهَ بر في أيام الصوم وأيام الفطر.

وتبقى حالتان من حالات الإفطار هما العمد والنسيان:

فإن كان الإفطار بالجماع عمدا ففيه القضاء والكفارة بإجماع، وإن كان الجماع نسيانا فعليه القضاء والكفارة عند مالك وأحمد وقوم من أهل الظاهر، ولا قضاء عليه ولا كفارة عند الشافعي وأبي حنيفة وعند غيرهم لا كفارة عليه على اختلاف بينهم في وجوب القضاء.

وقد روى مالك في الموطأ (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ هَلَكَ الْأَبْعَدُ فَقَالَ لَهُ رَسُوُل اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ فَقَالَ أَصَبْتُ أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً فَقَالَ لَا فَقَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً قَالَ لَا قَالَ فَاجْلِسْ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي فَقَالَ كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْتَ) ، ولم يسأله صلى الله عليه وسلم عن حاليه نسيانا أو عمدا.

أما المفطر بالأكل والشرب عمدا فعليه ما على المجامع من الكفارة مع القضاء عند مالك والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور، وذهب غيرهم إلى أن عليه القضاء فقط.

أما المفطر بالأكل أو الشرب نسيانا فعليه القضاء عند مالك، ويتم صومه ولا شيء عليه عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، بناء منهم على حديث صحيح لأبي هريرة قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم؟ فقال: الله أطعمك وسقاك) .

وبعد أن أمر تعالى عباده الصُّوَّمَ بالتكبير والذكر والشكر بين لهم أنه عز وجل قريب منهم فقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} بعلمه ورحمته وقدرته، مطلع على ذكرهم وشكرهم خبير بأحوالهم سميع لدعائهم مجيب دعوتهم ما أطاعوه وكبروه وشكروه، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ق 16، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، اِربَعُوا على أنفسكم - أي ارفقوا بها - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا بصيرًا وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) .

ثم زاد بيان قربه تعالى توضيحا فقال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} أي أنه تعالى يسمع دعاء من يدعوه فيعطيه مسألته، لأن الإجابة يراد بها السماع كما يراد بها إبلاغ السائل ما سأله، وفي الحديث أن أعرابيًا قال: يا محمد، قال: قد أجبتك، كما أن السماع قد يراد به الإجابة، ومنه: سمع الله لمن حمده. والآية بذلك تقرير آخر لقرب الصائم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت