ربه وتحقيق له، وتأكيد للوعد بإجابة دعوته، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حين يفطر ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب عز وجل وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) .
أما قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} فهو توجيه منه تعالى إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول، استجابة لله بطاعته، وتصديقا لوعده، ومواظبة على ذكره وشكره، إذ هذا هو سبيل الرشد والهداية والصلاح.
ثم بعد أن بين عز وجل أن فترة الصوم مجال لتوثيق علاقة المؤمن بربه وفرصة تغتنم لتجديد الإيمان وطلب الرشد، وسبيل للاستجابة ونيل المطالب، ولمح إلى أدب الدعاء وما ينبغي فيه من استفتاح بالحمد والشكر والثناء على الله تعالى، عاد لتفصيل ما بقي من أحكام الصيام، مما لا غنى للمرء عنه في علاقته ببيته وأهله فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ} .
وقد كان المسلمون في ابتداء فرض الصوم إذا أفطر أحدهم يحل له الأكل والشرب ومباشرة الزوجة إلى صلاة العشاء، ويحرم ذلك كله عليه إلى الليلة القابلة إن صلى العشاء أو نام قبل صلاتها فوجد المسلمون مشقة كبيرة، ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كنت جديرا بذلك يا عمر) ، فقام رجال واعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ، والرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء، كناية عن الجماع، قال ابن عباس: إن الله تعالى حيي كريم يكني، كل ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما عنى به الجماع. بهذه الآية الكريمة رفع الله تعالى عن المسلمين المشقة، فأباح لهم الرفث، وأشاد بالعلاقة الزوجية وعدها سترا وسكنا للذكر والأنثى فقال: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} ، وتاب على من وقع منهم في المخالفة فقال: {عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} أي تباشرون نساءكم وتأكلون وتشربون بعد العشاء {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} فرفع عنكم هذه المشقة ويسر لكم سبيل التوبة وغفر لكم، {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ} ولكم بعد زوال العسر وحلول اليسر ورفع التكليف الشاق أن تفضوا إلى أهلكم وتبتغوا ما جعل الله لكم في الحياة الزوجية من سكن وطمأنينة وذرية كما قال أيضا في الآية 189 من سورة الأعراف: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ، وهذه الإباحة في ثناياها أيضا دليل على أن الجنابة لا تفسد الصوم