وهو تخفيف آخر للمشقة على المسلمين، كما أكدت ذلك السنة النبوية فيما رواه ابن ماجة صحيحا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان (يصبح جنبا من الوقاع لا من احتلام ثم يغتسل ويتم صومه) . {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} أي ولكم أن تأكلوا وتشربوا من وقت غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وقد كنى عنه القرآن بتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وهو بداية انتشار النور في الأفق بجانب الظلمة من الفجر، إذ بها يحرم الطعام والشراب والمباشرة على الصائم.
لقد تم بهذه الآية الكريمة التحديد النهائي لفترة الصوم من طلوع الفجر الصادق إلى مغرب الشمس، وفترة الإفطار التي تباح فيها كل المفطرات ما لم تكن إثما، من الغروب إلى الفجر. إلا أن هذه الإباحة لمباشرة النساء والطعام والشراب ليست مطلقة كما يتوهم، بل هناك استثناءان منها محرمان:
الأول في قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ، والاعتكاف لغة هو القيام على الشيء وملازمته والمواظبة عليه، أما في الشريعة فهو كما ورد في الشرح الكبير للدردير (لزوم مسلم مميز مسجدا مباحا بصوم كافا عن الجماع ومقدماته يوما وليلة فأكثر للعبادة بنية) . وحكمه الندب تطوعا والوجوب بالنذر، والإجماع على أنه جائز الدهر كله إلا الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها، فإنها موضع اختلاف لاختلافهم في جواز الاعتكاف بغير صوم. فإن كان المرء معتكفا في أي وقت من أوقات السنة حرم عليه أثناء اعتكافه مباشرة النساء ليلا أو نهارا في المسجد أو البيت أو غيرهما، كما قال تعالى في الآية: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ، ثم عد المباشرة أو مجرد مقدماتها في فترة الاعتكاف عدوانا على حدود الله وشرعه {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} ، والبعد عن كل ذلك مما بينه الله تعالى من حدوده، هو سبيل التقوى والنجاة من غضبه {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .
والاستثناء الثاني من مباحات المطعم والمشرب هو تحريم ما كان مكتسبا بوسائل محرمة كالغش والخداع والنصب واليمين الكاذبة وشهادة الزور ورشوة الحكام والاستظهار بهم على المستضعفين لأكل أموالهم، قال عز وجل: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، وقد نزلت هذه الآية في شأن امراء القيس بن عباس الكندي وعبدان بن أشوع الحضرمي، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فادعى أحدهما على صاحبه شيئًا، فأراد الآخر أن يحلف بالكذب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ وَأَرَى أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ، وَأَنّهُ لا يَرَى أَنّهُ مِنْ حَقِّهِ فَإِنَّما أَقْضِي لَهُ بِقِطْعَةٍ مِنَ النارِ) . فنزلت الآية فيهما، وصارت عامة لجميع الناس.
هذه المكاسب كلها من الخبائث المحرمة في أصل الدين على المفطر والصائم مطلقا، قال تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِث} الأعراف 157، وهي إشارة منه تعالى إلى ما ينبغي اجتنابه من الآثام التي تمحق الثواب، وتغلق باب